الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

مغرب الريع والوجوه المحظوظة: مجالس تستهلك… وشعب يختنق

ضربة قلم

في المغرب، لم يعد النقاش حول الفقر أو البطالة أو غلاء المعيشة وحده، ما يؤرق فئات واسعة من المواطنين، بل أصبح هناك سؤال آخر أكثر حساسية، يفرض نفسه بقوة داخل المقاهي، ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى داخل البيوت: ما الجدوى الحقيقية من بعض المؤسسات والمجالس والهيئات التي تستهلك ميزانيات ضخمة سنويا، دون أن يشعر المواطن بأي أثر ملموس لها في حياته اليومية؟

سؤال بسيط في ظاهره، لكنه ثقيل في عمقه، لأن الأمر يتعلق بأموال عمومية، تُصرف باسم التنمية والحكامة والدراسات والاستشارات والتقارير، بينما الواقع الاجتماعي يزداد قسوة، والهوة تتسع بين الخطاب الرسمي وحياة الناس الحقيقية.

هناك مناصب وهيئات، حين يحاول المواطن البسيط فهم وظيفتها، يصاب بحيرة حقيقية. لا يعرف ماذا تنتج، ولا متى اجتمعت، ولا ماذا غيرت، ولا كيف تساهم في حل مشاكل المغاربة. مؤسسات تصدر بين الفينة والأخرى كتيبا أنيقا، أو تنظّم ندوة داخل فندق فاخر، أو تطبع تقريرا مليئا بالمصطلحات المعقدة، ثم تعود إلى صمتها الطويل، بينما تستمر التعويضات والسيارات والمحروقات والسفريات وميزانيات التسيير في ابتلاع المال العام بهدوء بارد.

الأخطر أن عددا من هذه الهياكل تحولت، في نظر كثيرين، إلى نوع من “الراحة الإدارية الفاخرة”، حيث يجد بعض المحظوظين أنفسهم داخل مناصب مريحة، برواتب وتعويضات محترمة، دون ضغط حقيقي، ولا محاسبة واضحة، ولا نتائج قابلة للقياس. وكأن الدولة أحيانا تخلق بعض المناصب لإرضاء التوازنات، أو لإعادة تدوير أسماء بعينها، أكثر من خلق قيمة حقيقية للمجتمع.

المواطن اليوم لم يعد يقتنع بسهولة بالشعارات الكبيرة. جيل اليوم يريد أرقاما واضحة: ماذا قدمت هذه المؤسسة؟ كم صرفت؟ ما أثرها على التشغيل؟ على التعليم؟ على الصحة؟ على الاستثمار؟ على الحياة اليومية؟ أما لغة “التوصيات” و”التقارير المرجعية” و”اللقاءات التواصلية”، فقد أصبحت عند شريحة واسعة، مجرد ضجيج إداري فاقد للروح.

والمؤلم أكثر، أن الحديث عن بعض الصفقات المرتبطة بالطباعة أو الدراسات أو التواصل أو التنظيم، كثيرا ما يثير علامات استفهام كبيرة. كيف يمكن لكتيب محدود الصفحات أن يكلف مبلغا ضخما؟ وكيف تتحول بعض الدراسات إلى أرقام فلكية، بينما لا يراها المواطن إلا مركونة داخل الرفوف؟ وكيف تستمر مؤسسات كاملة بميزانيات سنوية ضخمة، دون أن يعرف الرأي العام ماذا تحقق فعليا على الأرض؟

المغرب اليوم ليس في حاجة إلى المزيد من الواجهات البيروقراطية الثقيلة، بل في حاجة إلى مؤسسات خفيفة، فعالة، منتجة، مرتبطة بالمحاسبة والنتائج. العالم يتغير بسرعة مخيفة، والدول التي لا تعيد ترتيب أولوياتها، تجد نفسها خارج التاريخ.

هناك دول أصبحت تراجع كل شيء: عدد المؤسسات، جدوى المجالس، قيمة المناصب، فعالية اللجان، حجم النفقات. أما نحن، فما زلنا أحيانا نضيف طبقات جديدة من البيروقراطية فوق بيروقراطية قديمة، حتى صار المواطن يشعر أن جزءا من الدولة يعيش في زمن آخر بعيد عن معاناته اليومية.

جيل “زيد” الذي يراقب كل شيء عبر هاتف صغير، لم يعد يصدق بسهولة لغة الخشب. هذا الجيل يرى التناقضات بوضوح. يرى مسؤولا يتحدث عن التقشف، بينما مؤسسته تغرق في الامتيازات. يرى شبابا يحاكمون بسبب احتجاج أو تدوينة أو انفجار غضب، وفي المقابل يشاهد مسؤولين فشلوا لسنوات طويلة، وهم ينتقلون من منصب إلى آخر دون مساءلة حقيقية.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس فقط في الغضب الاجتماعي، بل في فقدان الثقة. لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي أمة، هو أن يشعر شبابها أن الكفاءة ليست طريق النجاح، وأن بعض المناصب، تُمنح بالولاءات والعلاقات، أكثر مما تُمنح بالاستحقاق.

المغرب يحتاج اليوم إلى وقفة تأملية شجاعة، بعيدا عن لغة التجميل السياسي. يحتاج إلى غربلة حقيقية للمؤسسات والمجالس والهيئات التي لم تعد تواكب المرحلة. ليس عيبا أن نعترف بأن بعض الهياكل، أصبحت عبئا أكثر منها حلا. وليس عيبا أن يتم دمج مؤسسات، أو حذف أخرى، أو تقليص الامتيازات، أو ربط كل درهم من المال العام، بنتيجة ملموسة يشعر بها المواطن.

بل إن المرحلة المقبلة تفرض إعادة تعريف معنى المسؤولية نفسها. المسؤول ليس من يجلس داخل مكتب فاخر ويصدر البلاغات، بل من يستطيع أن يخلق أثرا حقيقيا في حياة الناس.

المغاربة لم يعودوا يطلبون المعجزات، بل فقط قدرا من العدالة والوضوح والصدق. يريدون أن يروا أموالهم العمومية تتحول إلى مدارس محترمة، ومستشفيات تحفظ الكرامة، وفرص شغل، وبنيات تحتية، لا إلى مؤسسات نائمة لا يسمع المواطن باسمها إلا عند نشر تقارير مالية أو تعيينات جديدة.

إن الدول لا تسقط فقط بسبب الفقر، بل قد تسقط أيضا بسبب تراكم الإحساس بالعبث. وحين يشعر المواطن أن هناك من يعيش داخل “جزر امتياز” معزولة عن الواقع، بينما الأغلبية تصارع الغلاء والبطالة والهشاشة، فإن الاحتقان يصبح مسألة وقت فقط.

لهذا، فإن الإصلاح الحقيقي اليوم، ليس في إنتاج الخطب الطويلة، بل في امتلاك الجرأة لطرح السؤال الذي يخشاه كثيرون: من يخدم الوطن فعلا؟ ومن يخدم فقط استمرار الامتيازات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.