مفاوضات مدريد اليوم تحت المظلة الأمريكية: لماذا يدخل المغرب النقاش متقدمًا بخطوتين؟

ضربة قلم
في توقيت دبلوماسي محسوب، وفي فضاء يحمل دلالات سياسية وقانونية قوية، احتضنت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بمدريد اليوم، جولة مفاوضات مباشرة متعددة الأطراف حول ملف الصحراء، في خطوة تعكس انتقال المبادرة، من مرحلة إدارة النزاع إلى محاولة حسمه سياسيًا قبل منتصف سنة 2026. اختيار السفارة الأمريكية، وليس مقرًا أمميًا تقليديًا، لا يبدو تفصيلاً شكليًا، بل رسالة واضحة، بأن واشنطن قررت الانتقال من دور الداعم إلى دور الراعي والموجّه.
ضمن هذا السياق، يدخل المغرب هذه المفاوضات من موقع مريح نسبيًا، مستندًا إلى رصيد سياسي وديبلوماسي تراكمي، جعله الطرف الوحيد الذي يتقدم بتصور عملي ومتكامل للحل، في مقابل أطراف أخرى، لا تزال تدور في فلك الشعارات العامة، والمواقف غير القابلة للتحقق.
الوثيقة المغربية: من “مقترح” إلى خارطة طريق تنفيذية
أهم ما يميز الحضور المغربي، في مفاوضات مدريد ليس فقط مستوى التمثيل، بل طبيعة العرض المقدم. فالوثيقة المغربية المحيّنة، التي يجري تداول كونها، تمتد على نحو أربعين صفحة، لا تُقدَّم كمبادئ عامة،أو إعلان نوايا، بل كخطة تنفيذية مفصلة للحكم الذاتي،تحت السيادة المغربية.
الوثيقة، بحسب ما يتداوله متابعون، تعالج بتفصيل دقيق قضايا طالما استُعملت ذريعة لتعطيل أي حل، من قبيل:
-
كيفية اشتغال المؤسسات الجهوية المنتخبة، وعلى رأسها برلمان جهوي بصلاحيات واضحة.
-
تنظيم القضاء المحلي وضمان استقلاله الوظيفي، ضمن المنظومة القضائية الوطنية.
-
تدبير الثروات الطبيعية بعقود شفافة، وآليات مراقبة، مع فتح المجال أمام الاستثمارات الأمريكية والدولية.
-
ترتيبات أمنية تراعي خصوصية المنطقة، دون المساس بسيادة الدولة.
-
تصور للرعاية الدولية، يضمن مواكبة تنزيل الحكم الذاتي، لا الوصاية عليه.
بهذا المعنى، ينتقل المغرب من موقع الدفاع عن مبادرته، إلى موقع من يعرض “منتجًا سياسيًا جاهزًا”، وهي نقطة تحسب له في ميزان التفاوض.
الراعي الأمريكي: لماذا تميل واشنطن نحو المقترح المغربي؟
التحرك الأمريكي لا يمكن فصله عن متغيرات إقليمية ودولية متداخلة. فالولايات المتحدة، التي سبق أن أعلنت اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه، تنظر إلى الملف اليوم من زاوية الاستقرار الإقليمي والأمن الاستراتيجي، لا من زاوية القانون المجرد فقط.
من هذا المنطلق، يبدو أن واشنطن، تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي:
-
الحل الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.
-
الخيار الأقل كلفة أمنيًا في منطقة تعج بالتهديدات العابرة للحدود.
-
المدخل الأنسب لإدماج المنطقة في دينامية اقتصادية إقليمية، بدل إبقائها بؤرة توتر مزمنة.
اختيار شخصية تفاوضية أمريكية معروفة، بإدارة “الصفقات الكبرى” يعزز هذا الانطباع، ويؤشر إلى أن المقاربة الأمريكية الحالية، تقوم على منطق الربح المتبادل، لا إدارة النزاعات المفتوحة.
الجزائر والبوليساريو: حضور اضطراري لا مبادرة ذاتية
في المقابل، يلفت الانتباه الحضور الجزائري في هذا المسار، وهو حضور يُقرأ، سياسيًا، كتحول تكتيكي أكثر منه مراجعة استراتيجية. فبعد سنوات من رفض الجلوس إلى طاولة واحدة، في إطار مفاوضات مباشرة، تجد الجزائر نفسها أمام ضغط أمريكي واضح، مرتبط بالأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي، يجعل الغياب أكثر كلفة من الحضور.
أما جبهة البوليساريو، فإن مشاركتها داخل سفارة أمريكية، وبحضور الوفد المغربي، تحمل دلالة مزدوجة: من جهة اعتراف ضمني بمرجعية المقترح المغربي كأرضية للنقاش، ومن جهة أخرى محاولة أمريكية، لدفع الجبهة، نحو قبول حل واقعي بعد استنفاد خيارات التصعيد.
الأمم المتحدة وموريتانيا: شهود على مسار تقوده واشنطن
حضور الأمم المتحدة، ممثلة في مبعوثها الشخصي، يضفي شرعية أممية على المسار، لكنه في الوقت نفسه يعكس تراجع الدور الأممي لصالح رعاية أمريكية مباشرة. أما موريتانيا، فمشاركتها تكرّس موقعها كطرف مراقب حريص على الاستقرار، دون انخراط في أي اصطفاف صدامي.
المغرب يفاوض من موقع الفعل لا الدفاع
ما يمنح المغرب أفضلية إضافية، هو أنه لم يعد يفاوض للدفاع عن موقفه، بل لتأطير كيفية تنزيل حل، بات يحظى بدعم واسع. هذا التحول من الدفاع إلى المبادرة، هو جوهر التفوق المغربي في مفاوضات مدريد.
فالرباط، لا تناقش اليوم مبدأ السيادة، ولا مشروعية المقترح، بل تفاصيل التنفيذ وضمانات الاستقرار، وهو مستوى تفاوضي لا تصل إليه إلا الأطراف التي حسمت المعركة السياسية مسبقًا.
خلاصة: التقدم المغربي ليس ظرفيًا… بل بنيويًا
مفاوضات مدريد تكشف بوضوح، أن ميزان القوى لم يعد متكافئًا، وأن من يمتلك الرؤية والمؤسسات والدعم الدولي، هو من يحدد سقف النقاش. المغرب يدخل هذه الجولة متقدمًا بخطوتين، لأنه استثمر الزمن، وراكم الاعتراف، واشتغل بمنطق الدولة لا بمنطق المناورة.
وفي عالم السياسة، لا تُحسم الملفات بالشعارات ولا بالضجيج، بل بمن يفرض الحل الواقعي، حين يتعب الجميع من الانتظار. والمغرب، في هذه المرحلة، يبدو الطرف الوحيد الذي فعل ذلك.




