مجتمع

مفتش التموين يبحث عن نفسه في السوق المركزي!

قصة مستوحاة من واقع يغلي أكثر من قدر "لوبيا" فوق بوطاكاز ناقصة الوزن...

ربة قلم

في زمن ارتفعت فيه أسعار كل شيء، حتى ثمن الشكوى نفسه، وفي لحظة تاريخية قررت فيها الدولة أن “تقمع الغش” ولو نظريًا، يظهر مفتش التموين من بين ثنايا المذكرات الوزارية، ليقوم بـ «دورة ميدانية” في السوق المركزي، حاملاً دفترًا عتيقًا، ونظرة حائرة، وشعورًا داخليًا بأنه “ماشي هو المقصود بهاذ المهمة!”

يدخل السوق كما يدخل البطل التائه في رواية بوليسية…
كل شيء يبعث على الشك، واليقين الوحيد هو أن الغش هنا مواطن دائم الإقامة.

المشهد الأول: بائع البصل ودرس في الفلسفة

يتوجه المفتش إلى بائع البصل:

– “كم ثمن الكيلو؟”
– “حسب الوقت أسي، اليوم شي تمن، وغدا شي آخر… حنا غير خدامة عند السوق !”

يرمش المفتش مرتين، يدوّن على دفتره:
“السعر غير مستقر، والبائع في حالة فلسفية متقدمة.”

ينتقل إلى بائع الطماطم، فيرد عليه بنفس النغمة، تقريبًا بلحن مختلف:

– “واش عندك ورقة الأثمان؟”
– “عندي الديون والكريديات، الورقة ما كاينة غير فـ الضريبة !”

المشهد الثاني: الفرّان وبلاغة الصمت

يحاول المفتش أن يوقف صاحب فرن تقليدي، وجد عنده قنينة بوطا صغيرة فارغة، والأفران مشتعلة.

– “منين كتجيك البوطا؟ وشنو مصدر العجين؟”

يرد عليه الرجل بابتسامة صفراء:

– “الله يرضي عليك أسي المفتش، ما تضيعش وقتك، راه حتى حنا ما عارفينش!”

وهنا يدوّن المفتش بكل جدية:
“لا أحد يعرف من أين تأتي البوطا، العجين مجهول الهوية، الفرن يشتغل بروح الوطنية.”

أين هو المفتش؟ أم من نكون؟

بعد ساعة من الدوران وسط السوق، بين الأسماك التي تفوح منها رائحة بحر لم يعد موجودًا، وخضر تشبه الطين أكثر من الفيتامين، يتوقف المفتش أمام مرآة مهترئة معلقة على جدار مهجور في ركن السوق… ينظر إلى نفسه ويتساءل:

“هل أنا فعلاً مفتش تموين؟ هل السوق فعلاً قابل للتفتيش؟ هل الغش يُقمع بالدفاتر أم بالأفعال؟”

والإجابة تأتيه على شكل صوت منادٍ من بائع البيض:

– “آ السي، راه داز شي مفتش بحالك الأسبوع اللي فات… وسجل غير رقم الهاتف !”
– “وقالي يلا عاود شي حد جا، قولو رجعت للمديرية!”

النهاية؟ لا… هذه مجرد بداية

يخرج المفتش من السوق وهو يبحث عن أقرب مقهى…
يطلب قهوة بـ”نصف سكر” لأنه لم يبقَ حلاوة في مهمته، ويبدأ بكتابة التقرير:

“قمت بزيارة ميدانية إلى السوق المركزي… لاحظت حركية تجارية نشطة، تفاوتات في الأسعار، وحالة توازن بين العرض والطلب، ولا وجود لممارسات غش واضحة…”

ويختم بعبارة:

“ينبغي تعزيز الثقافة الاستهلاكية لدى المواطن، وتفعيل آليات المراقبة بشراكة مع المجتمع المدني.”

طبعًا، هذا التقرير لن يقرأه أحد، ولن يُزعج الغشاشين، ولن يُقنع حتى المفتش نفسه!

هكذا ينتهي مشهد المفتش الذي بحث عن الغش، فوجد نفسه
وضاع في زحام وطن يعرف فيه الجميع أن الغش لا يُفتّش، بل يُطبع معه، و”يزيد على ذلك 10 دراهم!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.