الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مقابر تتحول إلى بؤر للنسيان

ضربة قلم

من الدار البيضاء إلى فاس، مروراً بمدن أصغر مثل آسفي أو المحمدية، نجد مشهداً يتكرر: مقابر متآكلة الجدران، شواهد مهدمة، طرقات ترابية تفتقد إلى الصيانة، وقبور لا يُعرف أصحابها. بعض المقابر أصبحت مأوى للمتشردين، وفضاءً لرمي النفايات، بل وحتى مرتعاً لتنامي الكلاب الضالة.

المواطن، حين يزور قبر أحد أحبته، يصطدم بهذا الواقع المهمل فيسأل نفسه: أين دور الجماعات الترابية، وأين ذهبت الأموال التي تجمعها الأوقاف؟ ولماذا تظل المقابر آخر أولويات التدبير الحضري، رغم أن لها قدسية خاصة في الوعي الجمعي؟

الصراع الخفي: التدبير الديني أم الحق المدني؟

الملف يكشف صراعاً غير معلن بين منطقين:

  1. المنطق الديني/الوقفي: الذي يرى أن المقابر والأراضي التابعة للأوقاف ملك لله، لا تباع ولا تُشترى، بل تبقى في حرز مقدس لا يمكن تدبيره إلا في إطار ديني صارم.

  2. المنطق المدني/الاجتماعي: الذي يعتبر أن هذه الأراضي جزء من النسيج العمراني للمدينة، ويجب أن تُدار بعقلانية تخدم المصلحة العامة: سواء بتأهيل المقابر وتسييجها وصيانتها، أو باستغلال الأراضي غير المستعملة في مشاريع اجتماعية (مدارس، حدائق، سكن اجتماعي).

في هذا التباين، يظل المواطن الخاسر الأكبر: فهو من يدفع ثمن الإهمال، سواء في صورة أراضٍ شاسعة تظل خارج السوق العقارية، أو في شكل مقابر تتحول إلى فضاءات مخيفة ومهملة.

البعد الاقتصادي: كنز تحت التراب

الأراضي الوقفية تمثل رصيداً عقارياً ضخماً، لكن أغلبها غير مستثمر أو يُستثمر بشكل محدود. تخيّل لو أعيد تدبير جزء من هذه الأراضي بطريقة شفافة وفعّالة: كم من مشروع سكني كان يمكن أن يرى النور؟ كم من فضاء أخضر أو مرفق صحي أو مؤسسة تعليمية كانت ستُبنى فوق هذه المساحات؟

لكن غياب استراتيجية واضحة يجعل هذا الرصيد أشبه بكنز تحت التراب: موجود لكنه غير قابل للاستعمال. وفي المقابل، يتضخم الطلب على العقار، وترتفع أسعار الأراضي والشقق بشكل يرهق الأسر المغربية.

بين المسؤولية الأخلاقية والسياسية

الإشكال هنا ليس تقنياً فحسب، بل أخلاقي بامتياز. كيف نقبل أن تتحول مقابر الأجداد إلى أطلال مهجورة؟ كيف نبرر أن تُترك أوقاف مخصصة أصلاً لخدمة المجتمع رهينة إهمال إداري أو مصالح ضيقة؟

ثم إن القضية سياسية أيضاً: فالدولة، عبر وزارة الأوقاف والجماعات المحلية، تتحمل مسؤولية مباشرة في هذا الوضع. الإصلاح المطلوب لا يقتصر على تنظيف المقابر أو صيانتها بشكل موسمي، بل على إعادة صياغة رؤية شاملة لإدارة الأوقاف، تجعلها في خدمة المجتمع لا عبئاً عليه.

نحو رؤية جديدة:

الحل لا يكمن في “بيع” الأراضي الوقفية أو تحويلها بلا ضوابط، فهذا قد يفتح الباب أمام المضاربات العقارية. وإنما المطلوب:

  • تأهيل المقابر: عبر صيانة القبور، توفير الحراسة والإنارة، وتسييج الفضاءات بشكل لائق.

  • إشراك الجماعات المحلية: لتتحمل جزءاً من المسؤولية في التدبير الحضري لهذه الفضاءات وتحارب ظاهرة بيع الماء وإقحام المرتزقة داخل المقابر.

  • إطلاق مشاريع وقفية مبتكرة: تستثمر الأراضي غير المستعملة في مشاريع اجتماعية (مدارس، مراكز صحية، حدائق عامة)، بما يحافظ على الطابع الوقفي ويخدم المجتمع.

  • شفافية أكبر: في تدبير موارد الأوقاف، حتى يعرف المواطن كيف تُصرف الأموال التي تجمع باسم الدين.

الخلاصة:

ملف المقابر المهملة والأوقاف ليس مجرد قضية تقنية عن العقار، بل هو سؤال مجتمعي عميق: كيف نكرم موتانا ونحترم ذاكرتنا؟ وكيف نجعل من ثروات الأوقاف رافعة للتنمية بدل أن تبقى شاهداً على التناقضات؟

إنها معركة بين الماضي والحاضر، بين قدسية الرمز وحاجيات الواقع، وبين إدارة دينية تفضل الصمت وإدارة مدنية تبحث عن حلول. والنتيجة حتى الآن: مقابر مهملة، أراضٍ مجمدة، ومواطنون عالقون بين سؤال الكرامة وسؤال السكن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.