
ضربة قلم
في النزاعات الطويلة، لا تكون بعض الأحداث مجرد أخبار عابرة، بل تتحول إلى إشارات سياسية ورمزية، تكشف ما يجري في العمق. ومقتل نجل الزعيم التاريخي السابق لجبهة البوليساريو، لا يمكن قراءته فقط باعتباره خسارة لشخصية قيادية أو حادثة مرتبطة بسياق المواجهة الميدانية، بل باعتباره حدثاً يطرح أسئلة أكبر حول واقع الجبهة ومستقبلها بعد عقود طويلة من الصراع.
ويكتسب الحدث أهمية إضافية لكونه يأتي، وفق ما تداولته مصادر إعلامية متطابقة، نتيجة عملية استهداف نُسبت إلى طائرة مسيرة مغربية، وهو ما يعكس التحولات التي عرفتها طبيعة المواجهة خلال السنوات الأخيرة، حيث باتت التكنولوجيا العسكرية الحديثة تلعب دوراً متزايداً في إعادة رسم معادلات الميدان.
فالقيادات يمكن تعويضها، والمناصب يمكن أن يشغلها آخرون، لكن الرمزية شيء مختلف. وعندما يتعلق الأمر بنجل شخصية طبعت تاريخ البوليساريو، لأكثر من أربعة عقود، فإن الأمر يتجاوز البعد الشخصي، ليصل إلى مستوى الذاكرة الجماعية للتنظيم نفسه.
لقد كان محمد عبد العزيز أكثر من مجرد أمين عام للجبهة، فقد ارتبط اسمه بمرحلة كاملة من تاريخها، وأصبح بالنسبة لكثير من أنصارها رمزاً للاستمرارية والثبات. ولذلك فإن رحيل أحد أبنائه في ظروف مرتبطة بالنزاع القائم، يحمل دلالات تتجاوز بكثير حدود الخبر اليومي.
غير أن القراءة الأعمق للحدث تقود إلى سؤال آخر ربما أكثر أهمية: ماذا بقي من مشروع الجيل المؤسس، بعد نصف قرن تقريباً من الصراع؟
فالحركات السياسية والعسكرية، تعيش عادة على ثلاثة عناصر أساسية: الذاكرة، والقيادة، والأمل. وإذا كانت الذاكرة ما تزال حاضرة بقوة داخل البوليساريو، وإذا كانت القيادة ما تزال قائمة بمؤسساتها وهياكلها، فإن التحدي الحقيقي، يبدو مرتبطاً بعنصر الأمل.
الأجيال الجديدة التي ولدت داخل المخيمات لم تعش مرحلة التأسيس، ولم تشارك في صناعة القرار خلال العقود الأولى، بل وجدت نفسها ،أمام واقع ممتد منذ سنوات طويلة، دون أن تلمس تحولات جذرية تغير معالم المشهد. وهنا يبرز السؤال الذي يواجه كل الحركات التي يطول بها الزمن: كيف يمكن الحفاظ على نفس الحماس المفرط لدى جيل، لم يعش لحظة الانطلاق الأولى؟
من هذه الزاوية، يبدو أن أكبر خصوم البوليساريو اليوم، ليسوا فقط خصومها السياسيين أو العسكريين، بل الزمن نفسه.
فالزمن يغير الأولويات، ويبدل القناعات، ويجعل الأجيال الجديدة، تنظر إلى الأمور بمنطق مختلف عن منطق الآباء والمؤسسين. ومع مرور السنوات، تصبح المحافظة على وحدة الرؤية أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتسع الفجوة بين الحلم الأصلي والواقع المعيش.
ولا يتعلق الأمر هنا بالبوليساريو وحدها، بل يكاد يكون قانوناً سياسياً عاماً، عرفته حركات كثيرة عبر العالم. فمرحلة التأسيس تصنعها العاطفة وصناع العبث، أما مرحلة الاستمرار، فتحتاج إلى نتائج واقعية وأفق واضح للمستقبل.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن مثل هذه الأحداث، قد تمنح القيادة الحالية، فرصة للتراجع واستخدام الحكمة، إذ غالباً ما تتحول الخسائر ذات الطابع الرمزي إلى عناصر تعبئة وتماسك داخل التنظيمات السياسية والعسكرية. غير أن تأثير هذا العامل يبقى مرتبطاً بالمدى الزمني؛ فهو قد ينجح في تعبئة المشاعر على المدى القريب، لكنه لا يجيب بالضرورة عن الأسئلة الاستراتيجية الكبرى المطروحة على المدى البعيد.
وفي النهاية، قد لا يكون الخبر الحقيقي هو مقتل نجل الزعيم السابق للبوليساريو في حد ذاته، بل ما يكشفه هذا الحدث من تحولات عميقة، داخل تنظيم يجد نفسه اليوم، أمام امتحان مختلف عن الامتحانات التي واجهها في الماضي.
فالمعارك العسكرية، مهما كانت أهميتها تبقى أحداثاً ظرفية، أما معركة المستقبل فهي معركة أخرى تماماً، لأنها ترتبط بقدرة أي تنظيم على تجديد نخبته، وإقناع أجياله الجديدة، والحفاظ على معنى وجوده في عالم يتغير بسرعة.
ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد انقضاء الضجة الإعلامية الحالية ليس من خسر هذه الجولة أو تلك، بل ما إذا كانت البوليساريو قادرة على عبور مرحلة ما بعد الجيل المؤسس بنفس القوة التي دخلت بها مرحلة التأسيس قبل عقود طويلة.
الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب دخل السنوات الأخيرة من موقع مختلف. فبعد أن كان منشغلاً بالدفاع عن موقفه، أصبح يراكم دعماً دولياً متزايداً لمبادرة الحكم الذاتي، بينما تجد البوليساريو نفسها أمام تحدي الحفاظ على زخمها السياسي في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ليس فقط ماذا يعني مقتل نجل أحد أبرز رموز الجبهة، بل أيضاً كيف ستتعامل البوليساريو مع مرحلة تشهد تراجعاً في هامش المناورة الدبلوماسية، واتساعاً في دائرة المؤيدين للمقاربة المغربية.




