
م-ص
هناك نوع من البشر، يمشي بين الناس بوجه أبيض كضوء الفجر، لكنه في الحقيقة محشوّ بليلٍ كثيفٍ من النوايا الملتوية. تراهم يوزّعون الابتسامات كما يوزَّع البخور في الأضرحة، ويعطرون كلامهم بآيات الحكمة والرأفة، حتى تظن أنهم ملائكة نزلوا من سماء الرحمة. لكن ما إن يشتدّ الموقف، أو يلوح في الأفق مكسبٌ دنيويّ، حتى يسقط القناع ويظهر وجه الضبع خلف قناع الحمل.
الانتهازيون ليسوا مجرد أناس عاديين، بل هم أساتذة في فن التنكّر. يجيدون التمثيل أكثر من الممثلين، ويُحسنون إلقاء خطب الطهرانية بلسانٍ يقطر عسلاً بينما قلوبهم تغلي طمعاً. كلهم يرفعون شعارات الفضيلة، يلوّحون برايات التضحية، ويعِدون بالعدل والصدق، لكنهم أول من يبيع الوهم إذا حان موسم البيع.
إنهم “ملائكة الأرض” بامتياز: أجنحتهم مرسومة بالطبشور، لا تقوى على الطيران، لكنها كافية لخداع العيون البريئة. يقدّمون أنفسهم كأوصياء على الحقيقة، كحماة للضعفاء، لكنهم يقتاتون من ضعف هؤلاء أنفسهم. فإذا صرخ المظلوم، تاجروا بدموعه. وإذا ارتفع صوت الحق، تسلقوا على أكتافه ليلمعوا في الضوء.
مأساتهم أنهم بارعون في تمثيل الخير، حتى كادوا يصدقون أكاذيبهم. لكن الزمن، كما تعرف، لا يجامل ولا يحابي. فهو يمتحن المعادن بالنار، وما أكثر هؤلاء الذين يذوبون عند أول اختبار. عندها تنكشف حقيقتهم عارية، ويظهر أن “الملاك” لم يكن سوى شيطانٍ أنيقٍ يتقن فنّ التبسم.
ويبقى السؤال: هل نحن من يمنحهم الأجنحة الوهمية حين ننبهر بخطاباتهم وحركاتهم المسرحية؟ أم أن المجتمع صار ساحة مفتوحة لكل من يتقن الرقص على جراح الناس؟
الانتهازيّ المتقمّص دور الملاك، ليس سوى مرآةٍ مشروخة، تعكس وجوهاً لا تشبه حقيقتها. قد يطير للحظة في سماء الزيف، لكنه حتماً سيهوي حين يكتشف الجميع أن جناحيه من ورق، وأن النور الذي يضعه فوق رأسه، ليس إلا دائرة دخان تتلاشى مع أول هبّة ريح.




