ملعب محمد الخامس: حيث تُسجّل الأحكام أسرع من الأهداف!

ضربة قلم
عادت محكمة الدار البيضاء من جديد لتوزع الأحكام كما توزع الشواطئ أمواجها، وهذه المرة على رؤوس جماهير حسنية أكادير، التي — بحسب ما يبدو — لم تكن تعلم أنها قد دخلت إلى ملعب محمد الخامس وهي تتجول على حلبة مصارعة قانونية، لا مباراة كرة قدم.
أربعة أشهر حبسا نافذا لأربعة مشجعين؟ حسنًا، يبدو أن المحكمة أرادت أن توضح للجميع أن “حب الوطن من المدرجات” قد يكون له ثمن، وثمنه هذه الأيام يُقاس بالشهور، لا بالصرخات الحماسية. أما الخمسة عشر الآخرون الذين تلقوا أحكاماً موقوفة التنفيذ، فقد كتب لهم أن يعيشوا في ترقب قانوني دائم، وكأنهم في لعبة “غميضة” قانونية مع النيابة العامة: خطوة واحدة خطأ، و”بوم”، الباب يُغلق خلفك!
دعونا نأخذ لحظة ونتخيل المشهد: جمهور جاء ليشجع، يصرخ، يغني، يرفع الأعلام، يتشاجر لفظيًا مع الخصم في حدود “فن الفولكلور الكروي”، ثم فجأة يجد نفسه متهمًا بـ”تخريب منشآت عمومية”. لا نعرف صراحة إن كانت “المنشآت العمومية” تعني الكراسي البلاستيكية المهترئة التي تسقط بمجرد أن تجلس عليها، أم ربما الحمامات التي تخاف أن تلمسها حتى بنظرك.
النيابة العامة لم تبخل، فقد أحالت 19 مشجعًا إلى المحكمة وكأنها تقول: “لن نترك أحداً يمرّ من هنا دون أن يذوق طعم القانون”. ولحسن الحظ أن خمسة محامين، من هيئتي أكادير والدار البيضاء، قرروا مؤازرة هؤلاء المشجعين. تخيلوا المشهد: خمسة محامين، وربما أكثر علماً بالقانون من فهمهم لكرة القدم، يشرحون للقاضي أن التلويح بالأعلام لا يُعدّ جريمة، وأن الغناء بصوت عالٍ لا يُسبب انهيار المنشآت… إلا إذا كانت المنشآت قد بُنيت من الورق المقوى.
وهنا، يدخل فصيل “إيمازيغن” ليضفي لمسة من الكرامة والتمرد على الموقف، في بلاغ بدا وكأنه صدر من منظمة حقوقية أكثر من كونه من مجموعة “إلتراس”. دافعوا عن جمهورهم، قالوا إن أبناء سوس تعرضوا لاستفزازات عنصرية وعنف جسدي ونفسي… وهو ما يجعلنا نتساءل: هل نحن أمام مباراة كرة قدم، أم أمام إعادة تمثيل لمشاهد من أفلام الحروب النفسية؟
ثم جاء ختام البلاغ ليقول إن الجماهير السوسية “احترمت جميع القوانين والإجراءات الأمنية” – وهذا تصريح قد يدخل موسوعة “غينيس” للثقة الزائدة في النفس، لأن احترام القوانين في ملاعب المغرب يُشبه محاولة السير فوق حبل مشدود في عاصفة.
في النهاية، نخرج من هذه القصة بحكمة قد تصلح للجيل القادم من المشجعين: “إذا أردت أن تشجع فريقك في ملعب خارج مدينتك، خذ معك تذكرة، بطاقة تعريف وطنية، و… محامي”.
فالكرة عندنا ليست مجرد رياضة، إنها مغامرة قانونية، كوميديا سوداء، ودرس في كيف يمكن لفرحة هدف أن تتحول إلى “ملف قضائي”.
نلقاكم في الجولة القادمة من الدوري… أو في الجلسة القادمة من المحكمة، من يدري؟




