الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ملف التقاعد… عندما يجد المتقاعدون أنفسهم وحدهم في مواجهة دولة تُدير ظهرها لهم

ضربة قلم

تعيش منظومة التقاعد في المغرب، واحدة من أكثر مراحلها حساسية، إذ تتصاعد المؤشرات التي تُنبئ باقتراب دخول الصناديق، مرحلة عجز حاد يهدد استدامتها في ظرف سنوات قليلة فقط. ورغم خطورة الوضع، فإن النقاش العمومي، ما يزال يدور في حلقة مفرغة: أرقام، لجان تقنية، تقارير متتالية… بينما يظل الطرف الأكثر تضررًا -المتقاعد المغربي- هو آخر من يُستمع إليه وأول من يدفع الثمن.

المتقاعد… الحلقة الأضعف التي يُراد لها أن تتحمّل الفاتورة

اليوم، يعيش آلاف المتقاعدين في المغرب، أوضاعًا لا تليق بما قدموه من جهد وعطاء طيلة عقود من العمل. معاشات لا تكفي حتى لتغطية الكلفة الأساسية للعيش، بعضها لا يتجاوز 1500 درهم، في وقت تُظهر فيه المؤشرات الاقتصادية، أن تكاليف الحياة ارتفعت بشكل مهول.

وبدل الاعتراف بأن المتقاعد يستحق معاشًا يحفظ كرامته، يتم ترويج حلول “سريعة” تسعى في عمقها إلى تحميل الأجراء والمتقاعدين، كلفة اختلالات مالية تراكمت بسبب سوء التدبير وغياب رؤية بعيدة المدى.

رفع سن التقاعد… محاولة لإنقاذ الأرقام لا الإنسان

من بين المقترحات التي تطفو بقوة في النقاش الرسمي، رفع سن التقاعد إلى 65 سنة. وهو طرح يطرح سؤالًا بسيطًا:
كيف يُطلب من مواطن استنزف جسده ونفسيته في العمل، أربعين سنة أو أكثر أن يواصل سنوات إضافية/ فقط لإنقاذ صناديق لم يُدقّق في طريقة تدبيرها من قبل؟

إن إنقاذ أنظمة التقاعد لا يمكن أن يتم عبر انتزاع ما تبقى من صحة العامل ولا عبر التضحية بكرامة المتقاعد، بل عبر إعادة النظر بجرأة في طرق التمويل ومناهج التسيير، ووقف النزيف الذي تعرفه بعض الصناديق منذ سنوات.

أرقام صادمة… وقرارات تُطبخ بعيدًا عن أصحاب الحق

تقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، كشفت أن احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد قد تنفد مع حلول 2028، وأن العجز التقني بلغ 9.8 مليارات درهم سنة 2023.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات تقنية، بل إنذار صريح، بأن المنظومة وصلت حدّها الأقصى، وأن أي إصلاح لا يضع كرامة المتقاعد في قلب النقاش هو مجرد ترقيع إضافي لا أكثر.

هل يُعقل أن يعيش من خدم الوطن آخر حياته في قلق دائم؟

المفارقة أن الدولة تُنفق ببذخ على مشاريع ضخمة، تتطلب مليارات الدراهم، بينما آلاف المتقاعدين يبحثون عن دواء بأقل سعر، أو يؤجلون التحاليل الطبية، أو يضغطون على ميزانية بيوتهم في كل نهاية شهر.
ليس المطلوب صدقة ولا منّة، بل حقّ مكتسب نظير سنوات طويلة من العمل والاقتطاعات.

إصلاح بلا كرامة… إصلاح بلا معنى

أي إصلاح للتقاعد لا ينطلق من ثلاثة مبادئ واضحة، فهو إصلاح ناقص منذ البداية:

  1. رفع المعاشات بشكل عاجل ومنصف.

    المعاش الضعيف لا يحدد فقط قدرة المتقاعد على العيش، بل يحدد أيضًا مستوى الكرامة والطمأنينة، التي يستحق أن يعيش بها بعد سنوات طويلة من العمل.

  2. مراجعة طرق التسيير بدل تحميل المواطن المسؤولية.
    ليس المتقاعد من أوصل الصناديق إلى العجز، فلماذا يُعاقَب؟

  3. إيجاد مصادر تمويل حقيقية وعادلة.
    عبر إعادة توزيع أفضل للثروة، وضبط التهرب، وتعزيز الشفافية في النفقات العمومية.

المتقاعدون يستحقون أكثر من التعاطف… يستحقون العدالة

الحديث عن إصلاح التقاعد، يجب أن يخرج من دائرة الأرقام الباردة إلى دائرة الإنسان. فكرامة المتقاعد، ليست تفصيلًا، وليست مادة قابلة للتأجيل.
هي جوهر النقاش. هي المحور الذي غاب كثيرًا وسط زحام التصريحات والمفاوضات التي لا تُفضي في الغالب إلا إلى تدوير نفس الأزمة.

خلاصة… معركة الكرامة لم تبدأ بعد

المستقبل القريب ،سيكشف إن كان الإصلاح سيذهب في اتجاه إنصاف من أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم، أم في اتجاه تحميلهم عبئًا جديدًا، فوق عبء الشيخوخة والمرض وغلاء المعيشة.

حتى الآن، المتقاعدون يقفون وحدهم… ينتظرون دولة تعتبرهم أولوية لا عبئًا.
وما لم يتغير هذا المنظور، ستظل منظومة التقاعد مجرد ملف مالي لا روح فيه، بينما الأصل أن تكون مسألة إنسانية قبل كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.