
ضربة قلم
في قاعة المحكمة، لم تكن المرافعة مجرد عرض قانوني بارد، بل أشبه بمحاولة “إعادة تشغيل” ملف بدا وكأنه علق في وضعية الخطأ منذ البداية.
المحامي محمد المسعودي، وهو يتولى الدفاع عن سعيد الناصري، لم يكتفِ بمهاجمة التهم، بل اختار أن يضع الملف كله على طاولة التشريح، قائلا – بلغة يفهمها حتى غير المختصين – إننا أمام قصة قانونية كتبت فصولها بسرعة… دون تدقيق في الحبكة.
البداية كانت مع تهمة التزوير، تلك التهمة التي تُستدعى عادة بثقة، لكن الدفاع اعتبرها هنا “ضيف شرف ثقيل الظل”، لا علاقة له بسيناريو القضية. فحسب قراءته، المادة 354 من القانون الجنائي حددت حالات واضحة للتزوير، لكن الملف – بكل بساطة – نسي أن يُظهر أين بالضبط وقع هذا التزوير، ومن قام به، وكيف. وكأننا أمام جريمة بدون مسرح جريمة.
ولم يفوت الدفاع الفرصة ليشير إلى أن كل مراحل البحث، من الشرطة القضائية إلى النيابة العامة وقاضي التحقيق، مرت مرور الكرام على هذا التفصيل الصغير… أو الكبير جدا: ما هي الأفعال التي تشكل التزوير؟ سؤال بسيط، لكن يبدو أنه ظل بلا جواب.
أما حكاية العقود التي تعود إلى 2013 و2019، فهنا تبدأ “الكوميديا القانونية السوداء”. سنوات مرت دون أن يشتكي أحد، دون طعن، دون حتى همسة شك… ثم فجأة، بعد مرور الوقت، يظهر التزوير كما تظهر الفطر بعد المطر، بناءً على تصريحات شخص واحد: “المالي”. لا وثائق، لا دلائل مادية، فقط رواية تحتاج -على الأقل – إلى بعض “الإكسسوارات القانونية” لتُقنع.
الدفاع اختصر الأمر بعبارة غير مباشرة: نحن لا نتحدث عن جريمة تزوير، بل عن نزاع عقاري يرتدي قناع الجريمة. فالشخص الذي يدعي حيازة عقار في منطقة كاليفورنيا، لم يقدم – بحسب الملف-– ما يثبت أنه يملك حتى مفتاح الباب، ناهيك عن سند قانوني.
والأجمل – أو الأغرب – أن الشهادات التي قُدمت أمام المحكمة لم تدعم هذا الادعاء، بل بالعكس، رسمت صورة معاكسة تماما، حيث بدا وكأن “المالي” يروي قصة تختلف عن تلك التي تقولها الوثائق… أو بالأحرى غيابها.
ولأن المفاجآت لا تأتي فرادى، أشار الدفاع إلى أن العقار نفسه غير محفظ، أي أننا أمام ملكية “افتراضية”، يصعب إثباتها حتى في أفضل الظروف، فما بالك حين تُبنى عليها تهم ثقيلة.
وعندما وصل النقاش إلى ما سُمي بـ”شبكة” يُفترض أن الناصري، كان منسقها اللوجستيكي، بدا المشهد أقرب إلى فيلم بوليسي نُسي فيه اسم البطل. فالرجل، حسب الدفاع، لم يُذكر لا من قريب ولا من بعيد في تصريحات باقي المتابعين، سواء الذين أدينوا أو الذين غادروا المحكمة ببراءة. شبكة بدون ذكر “المنسق”؟ أمر يستحق جائزة في الخيال أكثر من القانون.
أما التناقضات الزمنية، فهي فصل آخر من هذه الرواية المرتبكة. النيابة العامة تتحدث عن علاقة تعود إلى 2006، بينما “المالي” نفسه يقول إن التعارف بدأ سنة 2013. سبع سنوات من “الفراغ الزمني” كافية لإرباك أي قصة… فكيف بملف قضائي؟
وفي ختام المرافعة، فتح الدفاع بابا قد يكون أكثر إزعاجا: التقادم. مذكرا بأن بعض الوقائع، خاصة تلك المرتبطة بالمخدرات، قد تكون سقطت قانونا بمرور الزمن، خصوصا في ظل غياب أي إشارة لاسم الناصري في هذا الجانب.
الخلاصة التي أراد الدفاع إيصالها، دون أن يقولها مباشرة:
لسنا أمام ملف قوي يحتاج إلى تفنيد… بل أمام ملف يحتاج أولا إلى أن يُفهم.




