الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعاقتصاد

مليارات على الطاولة… والنتيجة صفر: لماذا أُجهض عرض إنقاذ “سامير”؟

ضربة قلم

تمّ يوم الجمعة 27 فبراير 2026 إسدال فصل جديد من فصول ملف مصفاة المحمدية، بعدما قررت المحكمة التجارية بالدار البيضاء، رفض العرض الإماراتي الرامي إلى اقتناء أصول شركة سامير وإعادة تشغيلها. قرار جاء في لحظة كان فيها الرأي العام يترقّب انفراجًا طال انتظاره، خصوصًا بعد تداول أخبار عن عرض مالي ضخم، ووعود بإحياء منشأة صناعية، ظلت متوقفة لأزيد من عشر سنوات.

وبرّرت المحكمة قرارها باعتبارات قانونية وإجرائية، مؤكدة أن العرض، رغم أهميته من حيث القيمة، لم يستوفِ الشروط الشكلية والموضوعية المطلوبة في مسطرة التفويت القضائي. فقد اعتبرت أن المقترح ظل في جوهره أقرب إلى إعلان نوايا استثمارية منه، إلى التزام تعاقدي واضح الأركان، إذ رُبط تنفيذه بجملة من الشروط المسبقة، من بينها تمكين المستثمر من ولوج المصفاة لإجراء خبرات تقنية وإعادة تقييم وضعيتها، وهو ما رأت فيه الهيئة القضائية عنصرًا من عدم اليقين لا ينسجم مع منطق التصفية القضائية القائم على الحسم والوضوح.

وسجّل تعليل المحكمة كذلك، غياب تصور دقيق لكيفية معالجة ديون الشركة المتراكمة، وعدم تقديم ضمانات عملية لاحترام حقوق الدائنين وفق الترتيب القانوني المعمول به. واعتبرت أن العرض في صيغته الحالية، لا يحقق بما يكفي مصلحة جماعة الدائنين، ولا يوفر الضمانات الضرورية لاستمرارية النشاط في إطار قانوني مستقر، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تعقيدات قانونية جديدة بدل طي صفحة التصفية.

غير أن هذا القرار، وإن بدا “منسجمًا” مع منطق القضاء التجاري الصارم، خلّف خيبة أمل واسعة في أوساط الرأي العام والمهتمين بالقطاع الطاقي. فقد كان كثيرون يعوّلون على العرض الإماراتي بوصفه فرصة تاريخية لإعادة تشغيل المصفاة، وتقليص التبعية للخارج في مجال تكرير المحروقات، وإحياء آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بها. كما رأى متابعون أن الملف تجاوز منذ سنوات بعده القضائي الضيق، ليصبح قضية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية واستراتيجية.

ويطرح هذا التطور مجددًا أسئلة محرجة حول مستقبل مصفاة المحمدية، وحول حدود التوفيق بين منطق الاستثمار ومنطق المسطرة القضائية. فبين من يرى في القرار حماية للأمن القانوني وحقوق الدائنين، ومن يعتبره تفويتًا لفرصة ثمينة لإنقاذ منشأة وطنية كبرى، يعود ملف “سامير” إلى دائرة الانتظار، محمّلًا بمزيد من الشكوك حول إمكانية خروجه قريبًا من حالة الجمود.

وهكذا، فإن رفض العرض الإماراتي يوم الجمعة 27 فبراير 2026 لا يمثّل مجرد إجراء قضائي تقني، بل يعكس مرة أخرى تعقيد هذا الملف وتشابك أبعاده القانونية والاقتصادية والسياسية، ويؤكد أن مصير مصفاة المحمدية ما زال معلقًا بين منطق النصوص ومنطق الحاجة الملحة إلى حل عملي يعيد لها دورها داخل المنظومة الطاقية الوطنية.

وفي ختام هذا المشهد العبثي، لا يسعنا إلا أن نوجّه تهنئة للموزعين المغاربة للمحروقات، الذين سيستقبلون خبر رفض العرض الإماراتي بارتياح لا تخطئه العين، بعدما ضمنوا استمرار الوضع على ما هو عليه: استيراد بلا منافسة حقيقية، وهوامش ربح مريحة، وسوق بلا مصفاة وطنية تزعج الحسابات. هنيئًا لهم بهذا “الانتصار غير المعلن”، وهنيئًا للمستهلك المغربي بمواصلة أداء فاتورة الغياب الطويل، لمصفاة كان يفترض أن تكون رافعة للأمن الطاقي، لا ذكرى عالقة في ملفات القضاء.

وفي خضم هذا المسار الذي تتداخل فيه الحسابات القضائية بالمصالح الاقتصادية، لا يبدو مستبعدًا أن يتعزّز لدى الرأي العام شعور قاتم مفاده أن مسلسل التفويت لا يهم فقط مصفاة معطلة، بل قد يمتد رمزيًا إلى ما هو أخطر، وكأننا أمام بيع صامت ومتدرّج لأراضي الشريط الأطلسي نفسه، من القنيطرة إلى الدار البيضاء، قطعة بعد أخرى وبعناوين مختلفة، إلى الحد الذي قد نستيقظ فيه يومًا، لنكتشف أننا لم نعد نناقش بيع منشأة صناعية أو أصلًا اقتصاديًا فحسب، بل نستعد نفسيًا لفكرة أن يُطرح الوطن بدوره، مجازًا لا واقعًا، في مزاد علني مفتوح، حيث تختلط حدود الاستثمار بحدود السيادة، ويصبح السؤال الحقيقي ليس من يشتري ماذا، بل إلى أي مدى، يمكن أن يستمر هذا النزيف، دون أن يثير قلقًا جماعيًا مشروعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.