الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مملكة الشركي العظمى: حين تتحول الحرارة إلى نظام حكم!

ضربة قلم

قرّر “الشركي” هذا الصيف أن ينتقم من عبثنا بالمناخ، ويعيد ترتيب خرائط التنفس في المغرب على هواه. بحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية، الجهة التي ما زالت تحتفظ ببعض الاحترام رغم أنها تخبرنا دومًا بما لا نحب سماعه، فقد آن أوان الاحتراق الرسمي، لكن بطريقة منظمة وعلى النمط المغربي الأصيل: “موجة حر من مستوى برتقالي”. لا داعي للذعر، اللون الأحمر ما زال في الثلاجة… إلى أن تذوب هي الأخرى.
الحرارة المرتقبة في مناطق مثل طاطا وزاكورة وأسا-الزاك والسمارة وبوجدور ووادي الذهب وأوسرد ستتراوح ما بين 43 و46 درجة. نعم، أربع وأربعون درجة وما فوق، في وطنٍ أغلب سكانه ما زالوا يعتقدون أن “المكيف” نوع من الكماليات، وأن “الثلج الصناعي” مؤامرة غربية هدفها إفساد أكبادنا. أما إن كنت من ساكنة المدن الساحلية وتفكر في التهكم على “أهل الداخل”، فاعلم أن رياح الشركي لا تعترف بالحدود، وقد ترسل لك تحية سخونة فجائية تجعلك تراجع علاقتك مع البحر والمدينة والحمّام البلدي معًا.
ولا تكتفي الطبيعة عندنا فقط بالحرارة، بل قرّرت أن تقدم باقة متنوعة من الخدمات المرافقة: عواصف رملية وهبات رياح تصل سرعتها إلى 80 كيلومتر في الساعة. رياح قادرة على قلب قبعة مسؤول فاسد من مكتبه في العاصمة إلى خيمة تقاعده في أوسرد. وبهذه المناسبة، ننصح كل من يملك “دوشًا” خارج المنزل أن يودعه مؤقتًا، لأن الرمل القادم مع الرياح قد يحوّله إلى آلة تقشير تلقائية للجلد.
ومع كل هذا، سيظهر لك من يقول إن هذه مجرد “فترة صيف عادية”، وغالبًا ما يكون هذا الشخص يجلس تحت المكيف في مكتبه الحكومي، يحتسي شايًا أخضرًا من إنتاج صيني، ويرتدي ربطة عنق لا يعرف كيف يربطها أصلاً. أما المواطن الحقيقي، ذاك الذي يعيش في مساكن من الصفيح أو في مدن “الحرارة المُركّبة” كزاكورة والسمارة، فسيلجأ إلى طقوسه المعروفة: نصب خيمة عشوائية فوق السطح، تبليل “البرانص”، أو تعليق فوطة مبللة أمام النافذة كابتكار مقاوم للمناخ.
وفي خضم كل هذا الجحيم الموعود، تواصل النشرات الإخبارية تقديم الحصص اليومية من “تفاؤل الطقس” وكأننا نعيش في الريفييرا الفرنسية. صور الأقمار الاصطناعية تظهر الغيوم تتراقص فوق المحيط الأطلسي، ونحن نحترق على اليابسة، نبتهل للمكيفات المستوردة أن تصمد، وللثلج الصناعي أن لا ينفد، وللماء أن يبقى في الصنابير لا في تقارير “المندوبية السامية للتخطيط”.
والأجمل من كل هذا؟ أن الشركي لا يُحاسب، ولا يُدان، ولا يُستجوب في البرلمان. إنه سيد فوق العادة، يمر من عندنا ضاحكًا، يمزّق المظلات ويُذيب الماكياج ويُحرق الأحلام الصيفية، ويترك خلفه شعورًا عامًا بأننا لسنا فقط في دولة نامية، بل نائمة في عز القيلولة، بلا كهرباء ولا ماء ولا حتى نصائح جدّاتنا القديمة حول “كيف تنجو من صيف ساخن دون أن تفقد صوابك أو جلدك”.
لكن لا بأس، نحن شعب ألف الهزائم المناخية كما ألف غيرها. نستيقظ ونكتشف أن الشركي ما زال هنا، نُكمل يومنا كأن شيئًا لم يكن، ونواصل الاستعداد لأسبوع قادم من الجفاف والعرق والرمل، مع قليل من الطناش السياسي، ورشفة ماء دافئة قد لا تجدها أصلًا إن كنت من ضحايا ضعف الضغط أو تقنين التزويد.
مرحبا بك في مملكة الشركي العظمى، حيث يُكتب قدرنا هذا الصيف على صفحات الرمال الساخنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.