
ضربة قلم
في تاريخ المغرب الحديث، برزت أسماء عديدة، ارتبطت بفترات التوتر السياسي، والاعتقالات، التي عرفتها البلاد في عقود مضت. بعض هؤلاء مرّوا فعلاً بتجارب قاسية: سجون، استنطاقات طويلة، وربما محطات شهيرة مثل مفوضيات الأمن التي تحولت في الذاكرة الجماعية، إلى رموز لمرحلة كاملة من الصراع السياسي. لا أحد ينكر أن تلك التجارب، صنعت جيلاً من المناضلين، الذين دفعوا ثمناً باهظاً مقابل مواقفهم.
غير أن الزمن، كما يقول المغاربة، لا يمر عبثاً. فمع مرور السنوات وتغير السياقات السياسية والاجتماعية، شهدنا تحولات لافتة في مسارات بعض الأشخاص، الذين كانوا يُحسبون يوماً على خانة النضال. بعضهم اختار طريقاً آخر: انخراط في أحزاب يغلب عليها منطق الأعيان والنفوذ، أو اقتراب من دوائر السلطة، بطريقة جعلت كثيرين يتساءلون: هل تغيرت القناعات فعلاً، أم أن الزمن كشف فقط ،عن الوجه الحقيقي لبعض “المناضلين الموسميين”؟
هنا تبدأ المفارقة التي يلاحظها الكثير من المتابعين. فبعض من كانوا يرفعون شعارات المقاومة السياسية، والالتزام الأخلاقي، صاروا اليوم، أكثر حماسة في الحديث عن “الأخلاق السياسية” و“الشرف العام”، وكأن الذاكرة الجماعية قصيرة إلى هذا الحد. لا أحد يعترض على حق الإنسان، في مراجعة مواقفه أو تغيير مساره، فذلك جزء من تطور الحياة السياسية. لكن ما يثير الاستغراب أحياناً، هو التحول الحاد الذي يجعل البعض، ينتقل من خطاب إلى نقيضه، دون أدنى مساءلة ذاتية.
ثم تأتي زاوية أخرى أكثر حساسية، وهي زاوية التحول الاجتماعي المفاجئ. فهناك من بدأ مساره في ظروف بسيطة للغاية، بل إن بعضهم كان يكافح من أجل ضروريات الحياة اليومية، قبل أن تتحسن أوضاعه، بشكل لافت مع مرور السنوات. في حد ذاته، لا شيء يعيب أن ينجح الإنسان، أو أن تتحسن ظروفه المادية. النجاح ليس جريمة، بل قد يكون ثمرة جهد طويل.
لكن الإشكال، كما يراه البعض، يبدأ حين يصبح هذا الصعود مقروناً، بخطاب أخلاقي متعالٍ على الآخرين، أو حين يُستعمل الماضي النضالي، كوسام دائم، يمنح صاحبه سلطة رمزية على المجتمع. هنا يستحضر المغاربة، ذلك المثل الشعبي الذي يقول: “الراس اللي ما كيدورش… كدية”، في إشارة ساخرة، إلى أولئك الذين لا يتوقفون عن تبديل المواقف، وفق اتجاه الريح.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يبرز حديث عن فئة، بقيت مرتبطة شكلياً بقطاع التعليم. وهي فئة – دون تعميم بطبيعة الحال – كانت تُحسب في مرحلة ما، على أسرة التربية والتكوين، لكنها ابتعدت تدريجياً عن جوهر الرسالة التربوية. بعض الأسماء انشغلت أكثر بالخطابة السياسية، أو بالاصطفاف في معارك لا علاقة لها بالمدرسة، بينما تراجع حضورها داخل الفصول الدراسية التي يفترض أن تكون ميدانها الأول.
الأمر لا يتعلق فقط بالغياب الجسدي أحياناً، بل أيضاً بغياب تلك الغيرة المهنية التي لطالما اعتُبرت جوهر مهنة التعليم. فالمعلم في المخيال المغربي لم يكن مجرد موظف يؤدي عملاً إدارياً، بل كان وما زال يحمل صورة “القدوة” و“المربي” و“صانع الأجيال”. وحين تتراجع هذه الصورة، يصبح من الطبيعي، أن يطرح المجتمع، أسئلة محرجة حول الأولويات الحقيقية، لبعض المنتسبين إلى هذا القطاع.
وفي خضم هذه التحولات، يظهر أحياناً خطاب مبالغ فيه في إظهار الولاء للسلطة أو الدفاع عنها، إلى درجة تجعل البعض يصف بعض المتحمسين بأنهم أكثر “مخزنية” من المخزن نفسه. وهي عبارة دارجة، تعكس سخرية اجتماعية، من أولئك الذين يبالغون في إعلان الانتماء أو الحماسة، ربما لتعويض ماضٍ مختلف، أو لتأكيد موقع جديد في موازين القوة.
لكن الإنصاف، يقتضي التذكير دائماً بأن هذه الصورة، لا تنطبق على الجميع. فالمغرب، مثل كل المجتمعات، عرف مناضلين حقيقيين ظلوا أوفياء لقناعاتهم حتى النهاية، كما عرف أساتذة شرفاء، حملوا رسالة التعليم في ظروف صعبة، دون أن يطلبوا مقابلاً سياسياً أو مادياً. هؤلاء يشكلون الوجه الآخر للصورة، وربما الوجه الأكثر صمتاً والأقل ضجيجاً.
في النهاية، تبقى القضية أعمق من مجرد نقد أفراد بعينهم. إنها تتعلق بسؤال قديم يتجدد مع كل جيل: ما معنى النضال؟ وهل هو مجرد محطة في مسار شخصي، يمكن استثمارها لاحقاً، أم أنه التزام أخلاقي طويل المدى، لا يفقد معناه بتغير المواقع والظروف؟
التاريخ لا ينسى بسهولة، والذاكرة الجماعية في المغرب – رغم ما يقال عنها – قادرة على التمييز بين من حمل الفكرة بإخلاص، ومن حملها مؤقتاً، قبل أن يضعها جانباً، عندما تغيرت قواعد اللعبة. وبين الاثنين مسافة كبيرة، لا تختصرها خطب ولا تحاليل خشبية ولا شعارات.




