رياضةمجتمع

منخرطون في أندية كرة القدم: عاطلون وأفواههم أوسع من أبواب القصبات!

ضربة قلم

في زمن البطالة الفكرية، وغياب الروح الرياضية الحقيقية، ظهر في ملاعبنا صنف جديد من الكائنات الكروية العجيبة يُسمّى “المنخرط”.
هو ليس لاعبًا، ولا مدربًا، ولا حتى مشجعًا عادياً… بل هو مزيج من كل شيء ولا شيء!
إنه ذاك الشخص الذي يستفيد في الكواليس، ولا شغل له، لكن صوته يعلو على الجميع.
تجده جالسًا في المقصورة، كأنه ممول رسمي للفريق، بينما لا يملك حتى ثمن تذكرة النقل العمومي.

منخرط من ورق

في الأصل، الانخراط في الأندية المغربية كان يعني المساهمة المالية والمشاركة في القرار الرياضي، لكن عندنا صار أشبه بعضوية شرفية مجانية، تُمنح لمن يملك لسانًا أطول من عمر النادي نفسه.
هؤلاء المنخرطون لا يدفعون سوى بالوعود، ولا يساهمون إلا بالضجيج، وإذا تكلموا ظنّوا أنفسهم محللين في قناة رياضية عالمية.
يتحدثون عن “الميركاتو” وكأنهم وكلاء لاعبين، وعن “التسيير المالي” وكأنهم درسوا الاقتصاد في السوربون، بينما أقصى تجربة لهم في الحسابات هي تقسيط ثمن الهاتف على أربعة أشهر!

منخرطون من فصيلة “الفرجة المجانية”

إنهم أصناف شتى، وكل صنف حكاية أطرف من الأخرى.
فيهم “المبنتون” الذين لا يخفون بليتهم، همهم الوحيد أن يظهروا في الصور، يلتقطون السيلفي مع هذا وذاك ويكتبون تحته: “خدمة النادي شرف”، بينما الشرف الوحيد الذي نالوه هو بطاقة المسؤولية بالمجان.
هؤلاء يأتون متأخرين عن الجمع العام، يلوّحون بأيديهم كأنهم جاؤوا من اجتماع الفيفا، وينصرفون قبل أن يبدأ النقاش الحقيقي، لأن التزامات ليلية تنتظرهم…

ثم هناك المدمنون، ليس على الكرة بل على الجدال. هؤلاء لا تهمهم نتيجة الفريق، بل متعة النقاش العقيم. يقضون ساعات في تحليل من لعب ظهيرًا أيسر، ومن جلس احتياطيًا، ثم ينامون مطمئنين لأنهم أنجزوا “مهمة وطنية مقدسة”.

أما المقامرون، فهم فئة أخرى من عجائب الكرة المغربية. يدخلون النادي بعقلية الكازينو: يراهنون على كل شيء، على المدرب، على الرئيس، بل حتى على لون القميص القادم! إن ربحوا صفّقوا لأنفسهم، وإن خسروا، صرخوا: “المؤامرة.. الفساد.. الرشوة!”.

وأخطرهم جميعًا أصحاب “من يعرفون من أين تُؤكل الأموال الرياضية”. هؤلاء يصرخون، لأنهم ببساطة يحتاجون إلى المال والدعم وحقهم في الحضور، يعرفون الطريق المختصرة إلى الدعم، إلى الصفقات، إلى اللجان. عندهم قدرة خارقة على تحويل كل اجتماع إلى فرصة استثمارية، وكل أزمة إلى “صفقة محتملة”.
يتقنون فن التمثيل: وجههم جاد في العلن، وابتسامتهم ساخرة في الخفاء، كأنهم يقولون: “دعوا البقية تتكلم، نحن نتكفّل بالحساب.”

وفي النهاية، تجدهم جميعًا يتحدثون باسم “المصلحة العليا للنادي”، تلك المصلحة التي لا يعرف أحد مكانها بالضبط، لكنها دائمًا تختفي عند أول اقتراح لجمع التبرعات!

برلمانيون داخل الملاعب!

يحب المنخرط المغربي الجلسات العامة، كما يحب البرلماني الجلسات التلفزية: كثير الكلام، قليل الفعل، وغائب عند الجدّ.
في اجتماعات الأندية، يتحول النقاش إلى ساحة صراع صوتي، يتبارى فيها المنخرطون حول من يصرخ أكثر، لا من يفهم أفضل.
أحدهم يطالب بإقالة المدرب، وآخر يقترح “استراتيجية جديدة للتكوين”، وثالث يقترح تنظيم رحلة للحج “تبركًا بالفريق”!
كل ذلك يحدث في قاعة واحدة، بينما اللاعبون لا يتقاضون أجورهم، والديون تتراكم في الصندوق كالأحجار في بئر مهجور.

أفواههم… بحجم القلاع التاريخية!

يقال إن أبواب قصبات المغرب كانت تُفتح للفرسان والخيول والعربات، لكن يبدو أن المنخرطين اليوم قرروا أن أفواههم أوسع منها بكثير!
يحللون التشكيلة قبل المباراة، ويختارون المدرب بعدها، ويقررون ميزانية الانتدابات فوق كأس شاي.
بل إن بعضهم صار يرى نفسه “مُنقذ الفريق”، رغم أن أكبر إنجازاته كانت الفوز في دوري الحومة سنة 1999!

المنخرط والتصوير الإجباري

لا يمكن أن تمر مباراة دون أن تراهم مصطفّين خلف اللاعبين أثناء التقاط الصور الرسمية، ببدلات أنيقة ونظرات متعالية، وكأنهم شاركوا في بناء الملعب لبنة لبنة.
يضع أحدهم نظارات شمسية حتى في الليل، وآخر يتكلف بابتسامة مصطنعة “لأرشيف النادي”، بينما في اليوم التالي يهاجم الإدارة على “سوء التسيير” في تدوينة مطولة على الفيسبوك، مزينة بعشرين وسمًا #عاش_الفريق #نطالب_بالشفافية #كفى_من_العبث!

منخرط باللسان لا بالوجدان

لو قسنا انخراط بعضهم الحقيقي بميزان العطاء، لوجدنا أنهم منخرطون فقط في الكلام.
لا يدفعون، لا يقترحون حلولًا، لا يواكبون التكوينات، لكنهم أول من يرفعون الصوت حين تُمنى الفرق بهزيمة.
كأنهم يعتقدون أن الانخراط يعطيهم حصانة لغوية ضد الفشل!
حتى عندما يُطلب منهم المساهمة في دعم الفئات الصغرى، يجيب أحدهم بجدية مفرطة: “واش أنا بنك؟”

مشهد من العبث الكروي

في نهاية الموسم، يجتمع المنخرطون لانتخاب المكتب الجديد، وهناك تبدأ المسرحية:
ابتسامات متبادلة، ووعود براقة، واتهامات مبطنة.
وبين من يوزع “كعك الانتصارات” ومن ينتظر منصبًا شرفيًا، تضيع القضايا الحقيقية للفريق: التكوين، البنية التحتية، والعقلية الاحترافية.
ويستمر النادي في الدوران داخل حلقة “النية الحسنة وسوء التسيير”، بينما المنخرطون يلتقطون صور النصر على أنقاض الفشل!

الكلمة الأخيرة

المنخرطون الحقيقيون هم الذين يُساهمون في تطوير أنديتهم بالمال، بالرأي، وبالمبادرات البناءة، لا بالصراخ والمزايدة.
أما “منخرطو المقاهي” و“منخرطو اللايفات” فهم مجرد صدى للفراغ…
يتكلمون كثيرًا لأنهم لا يملكون ما يقدمونه.
فأفواههم – كما قلنا – أوسع من أبواب القصبات، لكن قلوبهم أضيق من مساحة مرمى الحارس!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.