منظومة على الورق.. وتعليم أولي في مهبّ الارتجال: هل تُقيَّم الجودة أم يُعاد تدوير الوهم؟

ضربة قلم
مرة أخرى، تعلن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بقيادة محمد سعد برادة، عن “منظومة جديدة” لتقييم جودة التعليم الأولي، في خطوة تبدو على الورق متقدمة، لكنها تطرح في العمق أسئلة محرجة، أكثر مما تقدم أجوبة مطمئنة.
فحسب المراسلة الموجهة إلى مديري الأكاديميات الجهوية، تقوم هذه المنظومة على ركيزتين أساسيتين: إطار مرجعي لمعايير الجودة، يشمل كل شيء تقريبًا -من الحكامة والبنية التحتية إلى التغذية والممارسات البيداغوجية- ودليل تقني للملاحظين يحدد طرق التقييم، ومساطر الزيارة وسلم التنقيط. وهي عناصر لا يمكن، نظريًا، الاعتراض عليها، لأنها تندرج ضمن أبجديات أي إصلاح جدي.
لكن الإشكال في المغرب، لا يكمن في غياب “الإطارات المرجعية”، بل في التضخم المرضي لها. لقد أصبحنا أمام وفرة من الأدلة والمذكرات والمرجعيات، مقابل خصاص مهول في التفعيل والمراقبة الفعلية. فكم من “دليل” صدر وانتهى إلى رفوف الإدارات، دون أن يغير شيئًا في واقع الأقسام؟
الأكثر إثارة للقلق في هذه المنظومة، هو اعتمادها على مقاربة “التقييم الذاتي” في مرحلتها الأولى، حيث تُكلَّف الجمعيات الشريكة نفسها، بإنجاز تقييم داخلي لوحداتها. وهنا يبرز تناقض واضح: كيف يمكن لجهة تدبر وتُشغّل، أن تكون في الآن ذاته؛ حكمًا على جودة عملها؟ أليس في ذلك تضارب صريح للمصالح؟ أم أننا أمام محاولة “تجميل الأرقام” قبل عرضها في التقارير الرسمية؟
ثم تأتي المرحلة الثانية، المتمثلة في التقييم الخارجي، والتي تهم فقط 10% من الوحدات، بشكل عشوائي. وهذه النسبة، مهما قيل عن رمزيتها، تظل ضعيفة جدًا، أمام اتساع شبكة التعليم الأولي، خاصة في العالم القروي، حيث الهشاشة مضاعفة، والمراقبة شبه منعدمة. فهل تكفي زيارة واحدة من حين لآخر، لتشخيص أعطاب بنيوية عمرها سنوات؟
أما الحديث عن “التوازن بين الوسطين الحضري والقروي”، و”التمثيلية الجهوية”، فهو خطاب مألوف في أدبيات الوزارة، لكنه غالبًا ما يصطدم بواقع تفاوت صارخ: وحدات حضرية تستفيد من الحد الأدنى من الشروط، مقابل فضاءات قروية تفتقر لأبسط مقومات الكرامة التربوية.
وإذا كان الدليل يتحدث عن معايير، مثل الصحة والتغذية واحترافية المربين، فالسؤال الحقيقي يظل معلقًا: هل وفرت الوزارة الشروط المسبقة لتحقيق هذه المعايير؟ كيف يمكن الحديث عن الجودة، في ظل هشاشة تكوين المربيات، وضعف أجورهن، وغياب الاستقرار المهني؟ بل كيف يمكن تقييم “الانفتاح على المحيط” في مناطق تعاني أصلًا من العزلة والتهميش؟
إن الخطر الأكبر في هذه المنظومة، ليس في تفاصيلها التقنية، بل في احتمال تحولها إلى تمرين بيروقراطي جديد: أرقام تُملأ في أنظمة معلوماتية، وتقارير تُرفع إلى المركز، دون أثر ملموس على الطفل المغربي، الذي يظل الحلقة الأضعف في كل هذه السلسلة.
ما يحتاجه التعليم الأولي اليوم، ليس فقط “شبكات تقييم” و”سلالم تنقيط”، بل إرادة سياسية حقيقية لمساءلة الاختلالات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والقطع مع منطق التدبير المفوض غير المراقب. فالجودة لا تُقاس بالوثائق، بل بما يعيشه الطفل داخل القسم: هل يجد فضاءً لائقًا؟ مربية مؤهلة؟ تغذية محترمة؟ وأهم من ذلك، هل يحظى بفرصة عادلة للانطلاق في مساره التعليمي؟
دون ذلك، ستظل هذه المنظومة مجرد عنوان جديد في أرشيف الإصلاحات المؤجلة.




