منير الليموري مشى فيها.. لا أصالة ولا معاصرة!

ضربة قلم
يبدو أن طنجة قررت هذه المرة أن تكتب فصلاً جديداً من فصول الانتخابات، لكن ليس في صناديق الاقتراع، وإنما في ملفات التحقيق وممرات المحكمة.
فمن كان بالأمس عمدة لمدينة البوغاز، وقيادياً في حزب الأصالة والمعاصرة ومديراً لحملة انتخابية، وجد نفسه اليوم أمام عنوان مختلف تماماً: الاعتقال الاحتياطي بأمر من قاضي التحقيق.
وبمعنى آخر، فإن عبارة «الأصالة والمعاصرة» التي كانت تُرفع في الحملات الانتخابية، دخلت اليوم إلى قاموس آخر… قاموس التحقيقات والمحاضر وأسئلة القضاء.
ولا يتعلق الأمر هنا بحكم بالإدانة، فالقضاء لم يقل كلمته النهائية بعد، وإنما بقرار قضائي يقضي بوضع الليموري رهن الاعتقال الاحتياطي على خلفية التحقيق في ملف أوراق انتخابية، جرى ضبطها بمحيط مدرسة القدس، خلال الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر.
القصة بدأت من حقيبة وأوراق انتخابية بالقرب من مركز الاقتراع.
ثم بدأت الخيوط تتشابك.
وتوالت التوقيفات.
وتوسعت الأبحاث.
وظهر اسم العمدة.
وبدل أن تبقى الحكاية مجرد واقعة انتخابية عابرة، تحولت إلى ملف قضائي ثقيل، انتهى اليوم إلى وضع رئيس جماعة طنجة رهن الاعتقال الاحتياطي.
والأكثر إثارة في هذه القصة، أن الليموري كان خارج المغرب، عندما برز اسمه في سياق الأبحاث، قبل أن يعود من إسبانيا، ويتم توقيفه بمطار طنجة ابن بطوطة، ثم نقله إلى ولاية الأمن، حيث خضع للبحث والحراسة النظرية التي امتدت إلى 72 ساعة.
وهنا، ربما يمكن القول بسخرية سياسية لا أكثر:
الطائرة جات من مالقة… ولكن الرحلة ما سالاتش فدار العمدة.
من المطار إلى ولاية الأمن.
ومن ولاية الأمن إلى المحكمة.
ومن النيابة العامة إلى قاضي التحقيق.
ومن قاضي التحقيق إلى السجن.
يا لها من رحلة مختلفة تماماً عن الرحلات التي كان يفترض أن تكون مرتبطة بالانتخابات!
وبعد انتهاء الحراسة النظرية، جرى تقديم الليموري أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة، قبل أن تتم إحالته على قاضي التحقيق، الذي قرر إيداعه رهن الاعتقال الاحتياطي، وبدء التحقيق التفصيلي معه، مع إمكانية إجراء مواجهات مع باقي الأطراف في مراحل لاحقة من التحقيق.
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.
لأن السؤال لم يعد:
من ربح الانتخابات؟
ولا:
كم مقعداً حصل عليه هذا الحزب أو ذاك؟
بل أصبح:
من فعل ماذا؟ ومن كان يعلم ماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن أين جاءت تلك الأوراق؟ وكيف وصلت إلى المكان الذي ضبطت فيه؟ ومن يقف خلفها؟ وهل كانت الواقعة مجرد تصرفات فردية، أم أن التحقيقات ستكشف عن خيوط أخرى؟
كل هذه الأسئلة، وغيرها، ليست من اختصاص الصحافة أن تحسمها، وإنما هي الآن أمام القضاء.
لكن المؤكد أن ملف مدرسة القدس، لم يعد مجرد هامش في انتخابات 23 شتنبر.
لقد تحول إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل بعد الاقتراع، خصوصاً بعدما توسعت الأبحاث، لتشمل عدة أشخاص، من بينهم مسؤولون مرتبطون بمكاتب التصويت، قبل أن يصل التحقيق إلى أحد أبرز الأسماء السياسية والانتخابية في طنجة.
والسخرية هنا، أن الانتخابات التي يفترض أن تنتهي بمجرد إغلاق الصناديق، وفرز الأصوات وإعلان النتائج، يبدو أن صندوقاً آخر فتح أبوابه بعد ذلك…
صندوق التحقيق!
وفي هذا الصندوق، لا توجد أصوات، ولا أوراق اقتراع، ولا ملصقات انتخابية.
هناك محاضر، وتصريحات، ومواجهات، وأبحاث، وقرارات قضائية.
والآن يوجد أيضاً اعتقال احتياطي.
أما شعار الحزب، فنعذره هذه المرة، إن بقي صامتاً:
الأصالة؟ التحقيق يبحث عنها.
المعاصرة؟ التحقيق لم يصل إليها بعد.
أما الحقيقة، فهي وحدها التي يفترض أن تنتظر حتى نهاية التحقيق والمحاكمة، بعيداً عن الأحكام المسبقة، وبعيداً عن تحويل الاعتقال الاحتياطي، إلى إدانة قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة.
لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً:
منير الليموري دخل الانتخابات مديراً لحملة… وخرج منها إلى التحقيق.
والآن، بعدما وصل الملف إلى قاضي التحقيق، لم تعد طنجة تنتظر فقط نتائج الانتخابات.
إنها تنتظر أيضاً نتائج التحقيق.
وهنا بالضبط…
مشى فيها الملف من السياسة إلى القضاء، ومن الصندوق إلى المحكمة.
أما «الأصالة والمعاصرة»؟
فربما تحتاج هذه الأيام، إلى تعريف جديد، لمعنى العبارة!
فالانتخابات سالات… ولكن قصة مدرسة القدس مازال ما سالاتش.




