
ضربة قلم
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار وتبهت فيه المآسي تحت وطأة التكرار، تظل بعض القضايا عصيّة على النسيان، راسخة في وجدان الشعوب، تُبعث كلما حاولت الذاكرة أن تستكين. ومن بين هذه القضايا، تبرز قضية الأسرى الفلسطينيين، ليس فقط كملف حقوقي أو سياسي، بل كاختبار حقيقي لإنسانية العالم، وميزان يُقاس به نبض الشعوب الحية.
الدعوة إلى مسيرة وطنية في الرباط ليست مجرد إعلان عابر أو حدث ظرفي، بل هي امتداد طبيعي لذاكرة مغربية جماعية، لطالما ربطت بين الكرامة الوطنية والتضامن الإنساني. فحين يخرج الآلاف إلى الشوارع، حاملين الأعلام، مرددين الشعارات، فإنهم لا يمارسون فقط حقهم في التعبير، بل يعيدون رسم حدود الانتماء: من الذات الضيقة إلى الأفق الإنساني الأوسع.
اللافت في مثل هذه المسيرات، ليس فقط حجم الحضور، بل تنوعه. شباب، شيوخ، نساء، أطفال… كلهم يلتقون حول فكرة واحدة: أن الحرية لا تتجزأ، وأن معاناة الأسرى ليست شأناً بعيداً، بل جرحاً مفتوحاً في ضمير كل حر. هنا، تسقط كل الفوارق، وتذوب الهويات الصغيرة في هوية أكبر، عنوانها التضامن.
لكن، وسط هذا الزخم، يطرح سؤال لا يقل أهمية: ما جدوى المسيرات في عالم تحكمه المصالح؟
الجواب، وإن بدا بسيطاً، يحمل عمقاً كبيراً. فالمسيرات ليست بديلاً عن القرار السياسي، لكنها ضغط أخلاقي، ورسالة رمزية، تذكّر بأن الشعوب لا تنسى، وأن الصمت ليس قدراً محتوماً. في عالم تهيمن عليه لغة الأرقام والصفقات، تبقى الشوارع اللغة الأخيرة التي يتحدث بها الضمير.
إن قضية فلسطين، بما تحمله من تعقيدات تاريخية وسياسية، لم تعد فقط قضية شعب يسعى إلى الحرية، بل تحولت إلى مرآة تعكس مواقف الشعوب من القيم الكبرى: العدالة، الكرامة، وحق الإنسان في الحياة. وفي قلب هذه القضية، يقف الأسرى كرمز مكثف للمعاناة، حيث تتحول الزنازين إلى حكايات صمود، وتصبح الأسماء أرقاماً في تقارير، لكنها في الحقيقة عوالم كاملة من الألم والأمل.
المسيرة المرتقبة ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من التعبير الشعبي، الذي يرفض أن يتحول إلى مجرد متفرج. إنها رسالة تقول إن المسافة الجغرافية لا تعني الانفصال الإنساني، وإن ما يحدث هناك، يجد صداه هنا.
غير أن التحدي الأكبر، لا يكمن فقط في الخروج إلى الشارع، بل في ما بعده. كيف يمكن تحويل هذا الزخم إلى وعي دائم؟ كيف يمكن أن تتحول اللحظة إلى مسار، والانفعال إلى فعل مستمر؟ هنا، تنتقل المسؤولية من الجماعة إلى الفرد، ومن الشارع إلى الحياة اليومية، حيث يصبح التضامن سلوكاً، لا مجرد شعار.
في النهاية، قد لا تغيّر مسيرة واحدة موازين القوى، لكنها بالتأكيد تغيّر شيئاً في الداخل: في نظرتنا لأنفسنا، في إحساسنا بالآخر، وفي إيماننا بأن الصوت، مهما بدا ضعيفاً، يظل أفضل من الصمت.
ويبقى السؤال مفتوحاً، كما كل القضايا الكبرى:
هل نحن فقط نُحيي الضمير في لحظات، أم أننا مستعدون لجعله أسلوب حياة؟




