من أولياء الله إلى زبائن السياحة… حين تُباع البركة بالحجز المسبق!

ضربة قلم
في مدينة فاس، يُقال إن الزوايا تصنع الرجال. وفي مراكش، يُقال إن “سبعة رجال” يصنعون التاريخ. أما في أدبيات بعض المسؤولين، فإن الزوايا تصنع العملة الصعبة. هكذا، ومن دون أن نشعر، تحوّلت السياحة الروحية من رحلة وجدانية نحو الذات، إلى منتج تجاري تُروَّج له بوصفات جاهزة وألوان مُعَلَّبة في كتيبات المكاتب السياحية.
حين يُقدَّم ضريح من القرن السادس عشر كمزار “ضروري” في مسار أي سائح ألماني أو أمريكي، فاعلم أننا لم نعد نتحدث عن إرث روحي، بل عن صناعة بـ”رخصة استغلال”، حيث لا يُهم إن كان الزائر يعي رمزية الضريح أو لا، المهم أن يلتقط صورة، وربما يشتري تعويذة أو مسبحة صنعت في الصين وتُباع ببركة الولي.
هل نحن نعزز الهوية فعلاً؟ سؤال مشروع. لأن ما يُروَّج اليوم تحت شعار “السياحة الروحية” هو في كثير من الحالات إعادة إنتاجٍ سطحي لذاكرة دينية واجتماعية معقدة، تُختزل في قصة شعبية، وقبر، وبضع أدعية. من “سيدي يوسف بن علي” إلى “القاضي عياض”، مرورًا بكل من دُفِن في صمت واحتُفل به لاحقًا، نجد أنفسنا أمام تحويلٍ مُمَنهَجٍ للمقدس إلى منتوج سياحي خاضع لمنطق السوق، لا لمنطق الذكر.
الأضرحة أصبحت علامات مسجلة. من لا يملك ضريحًا يُنقّب عن جدٍّ صالح، أو يخترع وليًّا جديدًا. والمواسم، التي كانت مواعد دينية ذات طابع جماعي وروحي، أصبحت أعراسًا فولكلورية تُنظمها جمعيات برعاية مجالس منتخبة، حيث تُقَطَّر “العَرْقَة” بجوار الذكر، وتُعلَّق لافتات التنمية في الهواء بينما يبقى الفقر يضرب في العمق.
ثم إن ما يُروَّج له اليوم على أنه “عودة للأصالة” هو في الواقع إفراغ للأصالة من مضامينها. فالزاوية التي كانت تحتضن حلقات العلم والزهد والنقاش، تحولت إلى منصة يتبارى فيها المسؤولون في إلقاء كلمات بروتوكولية، وتنظيم حفلات صوفية لا علاقة لها بالصوفية، سوى اللباس الأبيض والطبل المستعار.
ولا ننسى أيضًا أن هذا الشكل الجديد من “التدين التسويقي” يخدم بعض الجهات المنتفعة، التي تُوقع الصفقات، وتُشرف على الأشغال، وتقتسم الريع الرمزي والمادي لموسم أو ضريح أو مقام. بينما أصحاب الزوايا أنفسهم، إن كانوا أحياء، فبعضهم يعيش في صمت، ويتأمل كيف أصبح ضريح والده مجرد “محطة في برنامج سياحي جماعي” يتوقف عندها السائح ربع ساعة، ثم يُكمِل طريقه نحو الفندق ذي النجوم الخمس.
الأكثر غرابة أن الدولة التي تدعو لتجديد الخطاب الديني، هي ذاتها التي تدعم هذا النوع من الخطاب الرمزي التقليدي، ما دام يُدرّ دخلا سياحيا، ويخلق بعض “الأنشطة المدرة للدخل”. كأننا نحارب الشعوذة بالترويج لها ضمنيًا، وندعو إلى التنوير بينما نُسوّق للهُوية كمنتوج على رف العرض.
في النهاية، نحن لسنا ضد صيانة التراث ولا ضد تثمين الرموز الروحية. لكن التساؤل الجوهري هو: هل نحافظ على الروح أم نبيع القبر؟ هل نعلّم الأجيال رمزية الأولياء والعلماء، أم نختصرهم في قصص شعبية تُروى بلغة التسويق؟ وهل فعلاً نحترم هذا التراث حين نُحوّله إلى مادة تُقَيَّم بالدرهم واليورو والدولار؟
ربما حان الوقت لإعادة التفكير في علاقة المغرب بتراثه الروحي. فليس كل ضريح مشروعًا اقتصاديًا، ولا كل وليّ “بركة قابلة للاستثمار”. فبعض الرموز ينبغي أن تظل حيث تنتمي: في الوجدان، لا في أدلة السفر.





Share your unique link and cash in—join now! https://shorturl.fm/7vmoI