من الإصلاح إلى الإقصاء: بلاغ غاضب للأساتذة الباحثين يكشف ملامح معركة جديدة

ضربة قلم
البلاغ الأخير للنقابة الوطنية للتعليم العالي جاء كصفعة مباشرة لوزارة التعليم العالي، بعد أن أقدمت هذه الأخيرة على تمرير مشروع قانون 01.00 المعدل (القانون 22.03) دون أن تكلف نفسها عناء إشراك النقابة ولا مكونات الجامعة. وكأن الأمر يتعلق بقرار إداري روتيني لا يخص سوى تغيير لون الطباشير أو موعد الامتحانات.
النقابة، بلهجة لا تخلو من الغضب، ذكّرت الجميع بأن الوزير سبق أن جلس مع ممثليها يوم 3 يوليوز 2022، وقطع وعودًا تتعلق بملفات حساسة: الدكتوراه الفرنسية، الترقية، الأقدمية العامة، رفع الضريبة عن تعويضات البحث العلمي… لكن كما جرت العادة، الوعود بقيت في خانة البلاغات الصحفية، بينما على أرض الواقع لم يُنفذ شيء. بعبارة أخرى: الوزير وعد بالسماء، وترك النقابة تواجه الأرض القاحلة.
الأخطر، حسب النقابة، أن مشروع القانون الجديد لا يكتفي بتجاهل الشركاء، بل يتجه نحو تقويض هوية الجامعة العمومية: تقليص المجانية، فتح باب الخوصصة، تكريس الوصاية على القرار الجامعي، وضرب وحدة المنظومة في العمق. أي أن الجامعة التي وُلدت لتكون فضاءً للمعرفة والتنوير، يُراد لها اليوم أن تتحول إلى مقاولة تبيع خدماتها لمن يملك “كارت بلانش” بنكية.
والأدهى من ذلك أنّ الوزارة تواصل تنزيل “دفتر الضوابط البيداغوجية الوطنية” بطريقة انفرادية، وكأن الأساتذة الباحثين مجرد موظفين صغار يتلقون الأوامر عبر البريد الإلكتروني. النقابة ترى في ذلك إهانة لكرامة الأستاذ الجامعي، بل استهدافًا لمكانة الجامعة المغربية كفضاء مستقل يفترض أن يشارك في صناعة القرار لا أن يُقصى منه.
ردّ النقابة جاء على شكل خطوات عملية:
-
الإبقاء على الاجتماعات مفتوحة: أي أن حالة الاستنفار ستبقى قائمة حتى إشعار آخر.
-
دعوة اللجنة الإدارية يوم 14 شتنبر: من أجل تسطير برنامج نضالي قد يجمّد المسطرة التشريعية، ويعيد المشروع إلى طاولة الحوار.
-
دعوة الأساتذة الباحثين إلى التريث: أي لا ينخرطوا في الإصلاحات البيداغوجية المعلنة حتى تتضح الصورة.
-
التعبئة الوطنية: النقابة لم تكتف بالاحتجاج داخل أسوار الجامعة، بل دعت كل “القوى الحية” في البلاد لتشكيل جبهة وطنية للدفاع عن الجامعة العمومية، وهو خطاب يستبطن قناعة بأن المعركة ليست نقابية فقط، بل سياسية ومجتمعية أيضًا.
البلاغ إذن ليس مجرد ورقة تقنية، بل وثيقة إنذار مبكر: إما حوار حقيقي يضمن مكانة الجامعة العمومية، وإما مواجهة مفتوحة قد تخلط أوراق الدخول الجامعي المقبل. والسخرية هنا أن الوزارة تتحدث عن “إصلاح التعليم العالي”، بينما أول ما يحتاج إلى إصلاح هو علاقتها بالنقابة: فالإصلاح الذي يبدأ بالإقصاء، ينتهي لا محالة إلى الفشل.




