من البرلمان إلى الزنزانة… حكاية الراضي والأراضي!

ضربة قلم
في مدينة سيدي سليمان، حيث يتحول الحلم بالتنمية إلى نكتة متداولة على الأرصفة، ويبدو أن سوء الطالع لا يُفارقها لا سياسيًا ولا إداريًا، عادت قضية إدريس الراضي لتشعل الأحاديث، لا لشيء سوى لأنها جمعت بين السياسة، والسلالي، والتزوير، والكرسي الوثير. المدينة التي جربت كل شيء تقريبًا، من الوجوه التي تتعاقب على تسييرها، إلى تلك التي لا تملك صفة رسمية، لكنها تحترف التربص بخيراتها، تثبت مجددًا أنها كانت وما زالت تعاني من قلة الحظ، أو وفرة النصابين… حسب زاوية النظر.
في واحدة من أكثر فصول الكوميديا السوداء واقعية، أصدرت المحكمة الابتدائية بالمدينة أحكامًا بالسجن في ملف التلاعب بعقود الأراضي السلالية، حيث جلس البرلماني السابق والقيادي البارز في زمن الاتحاد الدستوري، إدريس الراضي، على مقعد المتهم، لا كنائب أمة، بل كصاحب سوابق في العبث بالمصالح الجماعية. أربع سنوات حبسا نافذا للراضي، وثلاث لشقيقه، وسنتان لكل نائب سلالي، وسنة ونصف لموظفي الشؤون القروية بعمالة سيدي سليمان… وكأن القضاء قرر أن يوزع “العدالة بالتقسيط” على مقاسات الأدوار.
الوقائع، لو لم تكن من صلب ملفات النيابة العامة، لاعتُقد أنها مشهد من مسرحية عبثية: تزوير تصاريح، انتحال صفات، إدلاء ببيانات كاذبة، التوصل إلى وثائق رسمية بأساليب تشبه الأفلام المعلبة، بل واستغلال أكثر من 83 هكتارًا من أراضي الجماعة السلالية، وكأن الأمر لا يتعلق بثروات الناس بل بطاولة بلياردو يُراد تمرير الكرات فيها دون صافرة تحكيم.
ومن المفارقات أن الشكاية جاءت من وزير الداخلية نفسه، عبد الوافي لفتيت، الذي، على ما يبدو، لم يجد حلاً إلا بأن يلجأ للقضاء بعدما بلغ التزوير درجة باتت تُهدد الأمن العقاري للمنطقة. وهو ما يطرح سؤالًا بسيطًا ومُحرجًا: كم من ملف مماثل يُنتظر أن “ينفجر” حتى نكتشف أن ما نعتبره دولة الحق والقانون، يُحكم أحيانًا بـ”التحايل على القانون” تحت عباءة المنتخب والمسؤول؟
مدينة سيدي سليمان، في كل مرة، تُظهر أن مشكلتها الحقيقية ليست في موقعها الجغرافي، ولا في مواردها المحدودة، بل في نخبها التي، بدل أن تقودها نحو النهوض، تتفنن في استنزاف ما تبقى من رمقها. تجربة وراء تجربة، واسم بعد آخر، والمصيبة نفسها تتكرر: نُخب تُعيد إنتاج الفساد بوجوه جديدة وشعارات قديمة، والجماهير تتابع المشهد من بعيد، بين من فقد الأمل، ومن اعتاد النكسة، ومن يقول لنفسه: “ديما كاينة شي جوج هكتارات باقي ما تشفّاو”.
أما الراضي، الذي طالما قدّم نفسه كوجه سياسي محنك، فقد انتهى به المطاف يترافع عن نفسه بدل أن يترافع عن دائرته، بعدما كشفت الوقائع أن الحنكة، أحيانًا، تكون فقط في التحايل على القانون، لا في صناعة مشروع سياسي حقيقي.
القضية، رغم ما فيها من تفاصيل قانونية دقيقة، ليست سوى حلقة أخرى في مسلسل لم تُكتب نهايته بعد. والمدينة، التي لا تُنجب إلا المتاعب السياسية، تنتظر الآن “الوجه القادم” الذي قد يدخل من باب الانتخابات، أو من نافذة الولاءات، ليُواصل لعبة الكراسي في جماعة تُدار وكأنها إرث شخصي. والمفارقة الحزينة؟ أن السكان، رغم كل شيء، يُمنّون النفس ببارقة أمل. لكنها، في مدينة سيدي سليمان، تظل دائمًا بارقة قصيرة العمر… مثل مشاريع الإصلاح التي يبدأ تنفيذها على الورق، وتنتهي عند أول دفتر شيكات.





https://shorturl.fm/a0B2m