من “البوز” إلى الزنزانة.. بنسليمان تتابع صدمة طفل قاصر وسط الخمر وأعمامه خلف الأسوار

ضربة قلم
في زمن أصبحت فيه بعض الهواتف الذكية أخطر من أي سلاح، لم تعد المأساة تكمن فقط في الفعل المرتكب، بل في الطريقة التي يتم بها توثيقه ونشره والتباهي به أمام آلاف المتابعين. فهناك من لم يعد يكتفي بارتكاب الخطأ، بل أصبح يسابق الزمن لنشره وتحويله إلى مادة للفرجة وجلب التفاعلات، غير مدرك أن ما يراه “مزحة” قد تراه العدالة جريمة كاملة الأركان.
هذا ما أعادته إلى الواجهة القضية التي هزت الرأي العام خلال الأيام الأخيرة، بعدما انتشر على نطاق واسع شريط مصور يظهر طفلا صغيرا، لم يتجاوز السادسة من عمره، وسط مجموعة من البالغين وهم يشجعونه على استهلاك مادة يشتبه في كونها مشروبا كحوليا، في مشهد أثار موجة عارمة من الغضب والاستنكار.
وكما يحدث غالبا في مثل هذه القضايا، سارع البعض إلى إطلاق الإشاعات والتكهنات، متحدثين عن طي الملف أو حفظه أو التعامل معه باعتباره مجرد “واقعة عائلية” لا تستحق كل هذا الجدل. غير أن تطورات الملف، جاءت لتؤكد أن الأمر أخذ منحى مختلفا تماما.
فالنيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية ببنسليمان، قررت متابعة ثلاثة أشقاء في حالة اعتقال، مع إيداعهم السجن المحلي، بعد انتهاء الأبحاث والتحريات التي باشرتها المصالح الأمنية المختصة، تحت إشراف النيابة العامة.
وهكذا انتقل الملف من مجرد فيديو متداول على صفحات التواصل الاجتماعي إلى قضية معروضة أمام العدالة، بعدما اعتبرت السلطات القضائية أن ما جرى يتجاوز حدود “المزاح الثقيل” أو “التصرف الطائش”، ليدخل في دائرة الأفعال التي يمكن أن تلحق أضرارا خطيرة بطفل قاصر.
والأكثر صدمة أن الأشخاص، الذين ظهروا في الفيديو، ليسوا غرباء عن الطفل، بل تجمعهم به روابط عائلية مباشرة، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أنهم أعمامه.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة.
فالطفل بطبيعته يثق في الكبار المحيطين به. يصدقهم دون تردد، ويعتبرهم مصدر أمان وحماية وتوجيه. وعندما يتحول من يفترض أن يحميه إلى طرف يزج به في مواقف قد تؤذيه جسديا أو نفسيا، فإن المسألة تصبح أخطر من مجرد لقطة عابرة التقطتها كاميرا هاتف.
الطفولة ليست مرحلة عمرية فقط، بل هي مرحلة تأسيس وبناء للشخصية والوعي والثقة بالنفس. وكل تجربة صادمة أو مهينة، قد تترك آثارا طويلة المدى تتجاوز اللحظة التي وقعت فيها.
ولعل ما زاد من حدة الغضب الشعبي ليس فقط مضمون الفيديو، بل أيضا الطريقة التي جرى بها تصويره ونشره وتداوله على نطاق واسع.
ففي السابق كانت بعض التصرفات الخاطئة، تموت داخل حدود المكان الذي وقعت فيه. أما اليوم، فإن خطأ واحدا قد يتحول إلى مادة رقمية خالدة، تستمر في مطاردة صاحبها سنوات طويلة.
الطفل الذي ظهر في ذلك التسجيل قد يكبر يوما ما، وقد يجد نفسه أمام فيديو لا يزال يتنقل بين الصفحات والمجموعات والمنصات، رغم أنه لم يختر الظهور فيه، ولم يكن قادرا أصلا على فهم تبعات ما جرى.
وهذا بالضبط ما دفع العديد من الهيئات الحقوقية إلى التحذير من خطورة نشر مثل هذه المقاطع، دون مراعاة لحقوق الأطفال وخصوصيتهم.
فالضرر لا يتوقف عند الواقعة الأصلية، بل يمتد إلى ما بعدها.
هناك خطر التنمر.
وهناك خطر الوصم الاجتماعي.
وهناك خطر الإحراج النفسي المستمر.
وهناك أيضا خطر تحويل الطفل من ضحية إلى مادة للاستهلاك الرقمي الجماعي.
وفي هذا السياق، شددت أصوات حقوقية عديدة على أن حماية الأطفال، لا تعني فقط منع تعريضهم للخطر الجسدي، بل تشمل أيضا حماية صورتهم وكرامتهم وحياتهم الخاصة.
فليس كل ما يمكن تصويره يجوز نشره.
وليس كل ما يثير التفاعل يستحق التداول.
وليس كل ما يضحك البعض يخلو من الأذى.
لقد كشفت هذه القضية مرة أخرى عن مشكلة أعمق يعيشها المجتمع الرقمي المعاصر، وهي الهوس المرضي بالمشاهد الصادمة والغريبة مهما كانت كلفتها الإنسانية.
فالبعض أصبح مستعدا لتجاوز كل الخطوط الحمراء، من أجل الحصول على بضعة إعجابات أو مشاهدات أو تعليقات.
مرة يكون الضحية طفلا.
ومرة شخصا مسنا.
ومرة مريضا أو محتاجا.
ومرة إنسانا في لحظة ضعف أو معاناة.
وكأن الكرامة الإنسانية، أصبحت لدى البعض مجرد مادة خام لصناعة المحتوى.
أما اليوم، فقد انتقل الملف إلى مرحلة جديدة تحت أنظار القضاء، الذي سيقول كلمته بناء على ما ستكشفه التحقيقات والإجراءات القانونية الجارية.
لكن بعيدا عن المآل القضائي، يبقى الدرس الأهم الذي ينبغي أن يستخلصه الجميع هو أن حماية الأطفال، ليست مسؤولية الأسرة فقط، ولا مسؤولية المدرسة فقط، ولا مسؤولية الدولة فقط، بل مسؤولية جماعية، تبدأ من أبسط التصرفات اليومية.
فالطفل ليس أداة للتسلية.
وليس وسيلة لجلب المشاهدات.
وليس بطلا لمقاطع مثيرة للجدل.
إنه إنسان كامل الحقوق، يحتاج إلى الحماية والرعاية والاحترام.
وحين ينسى الكبار هذه الحقيقة، تصبح العدالة مضطرة إلى تذكيرهم بها.




