
بقلم: محمد كزاوي
محلل اقتصادي مستقل
مدخل:
العالم يتنفس… ولكن عبر صمامات السياسة
وسط ضربات متبادلة ورسائل مشحونة، بدأت تتشكل مفاوضات متعددة الأبعاد، بعضها معلن، والآخر يسير في الخفاء. الأسواق المالية لا تزال تحت تأثير الغموض، إلا أن مؤشرات أولية بدأت تلوح، توحي ببوادر انتعاش حذر ومتوازن. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل ما نراه هو بداية تعافٍ حقيقي، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة أخرى من التصعيد؟
واشنطن: توازن بين التفاوض والتلويح
الإدارة الأميركية الحالية تسير بخطى مركبة، تزاوج بين لغة الحوار والتصعيد. ففي الوقت الذي يلوّح فيه البيت الأبيض بإجراءات اقتصادية وسياسية حازمة، تظهر في الخلفية نوافذ مفتوحة لمقاربات مرنة، تسمح بمرور بعض الرياح الاقتصادية، ولو بشكل محدود.
بكين: خطوة استراتيجية تعيد رسم خرائط التوريد
في تطور لافت، توصلت الصين والولايات المتحدة إلى اتفاق إطار لتسريع تصدير المعادن النادرة، في خطوة من شأنها أن تُنعش قطاعي الدفاع والتكنولوجيا الأميركية. بينما وصفت وزيرة الخزانة الأميركية المحادثات بأنها “باتت منتجة”، وأعلنت عن الانتقال إلى “المرحلة الفنية”، وصفت صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية هذا الاتفاق بأنه “خطوة استباقية تحمي مصالح بكين أكثر مما تخدم واشنطن على المدى البعيد”.
كندا: خلاف رقمي يتحول إلى نزاع تجاري
العلاقات بين واشنطن وأوتاوا تشهد توترًا واضحًا بعد قرار كندا بفرض ضريبة رقمية بنسبة 3٪ على الشركات التكنولوجية الأميركية. جاء الرد من إدارة ترامب بتجميد المحادثات، مع تهديد بفرض جمارك خلال أسبوع واحد.
ورغم تصاعد التوتر، تسعى قمة مجموعة السبع إلى التوسط لإعادة الحوار خلال 30 يومًا. ويرى محللون كنديون أن هذا التصعيد يحمل ملامح تكتيكات تفاوضية أقرب إلى منطق كيسنجر، لكنها تفتقر إلى عمقه الاستراتيجي.
إيران: صخب الخطاب يخفي حوارًا دقيقًا
في أعقاب ضربات إسرائيلية متبادلة، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” أن “إيران أمام فرصة أخيرة… وإلا فالجولة القادمة ستكون أكثر دموية”. ورغم هذا التصعيد العلني، من المقرر أن تنطلق جولة جديدة من المحادثات النووية في سلطنة عُمان خلال أيام، ما يشير إلى وجود قناة حوار خلفية قد تساهم في إعادة ضبط التوتر في الشرق الأوسط، وتحويل مسرح الصراع إلى ميدان تفاوض على المكاسب ما بعد الحرب.
الشركات تتحرك قبل الحكومات
بعض الشركات الكبرى، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة، بدأت فعليًا فتح خطوط إنتاج جديدة، لا سيما في قطاعات المعادن والطاقة والخدمات الرقمية. شركات مثل “تاليس” و”سافران” وسّعت شراكاتها مع نظيرات أميركية، بينما بدأت شركات تكنولوجية أخرى بنقل بنيتها التشغيلية من كندا إلى أميركا اللاتينية، تحسبًا لأي تغيّرات ضريبية مستقبلية.
الرسالة الضمنية هنا واضحة: رأس المال بات يتصرف بمرونة واستباقية، غير منتظر لتوافقات سياسية قد تتأخر أو لا تأتي.
العملات المشفرة: مؤشر على المزاج العام
في تطور لافت، تجاوز سعر البيتكوين عتبة 107,000 دولار، بينما ارتفع الإيثيريوم بنسبة 6% خلال أربع وعشرين ساعة. هذا الأداء القوي للعملات الرقمية يعكس ما يشبه “الحدس الجماعي” للأسواق الجديدة، ويؤكد أن المستثمرين باتوا ينظرون إلى الأصول الرقمية ليس فقط كأدوات مضاربة، بل كمؤشرات على المزاج الجغرافي–الاقتصادي العالمي.
كيسنجر: الغائب الحاضر
رغم رحيله، لا يزال هنري كيسنجر حاضراً في تحليل المواقف الدولية، سواء من خلال استدعاء فكره في الأزمات، أو من خلال المقارنة بين رؤيته الواقعية الباردة والسياسات الانفعالية التي تطبع كثيراً من التحركات المعاصرة.
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) وصفه مؤخرًا بأنه “نموذج الواقعية الباردة التي نفتقدها اليوم”، بينما كتبت مجلة “فورين أفيرز” أنه “آخر من حوّل الفكر إلى بنية استراتيجية للعالم”. ورغم غيابه الجسدي، لا تزال أكاديمية “جونز هوبكنز” تنظم برنامجًا صيفيًا يحمل اسمه، لتدريب الجيل الجديد من صناع القرار العالمي.
في زمن تميل فيه قرارات الدول الكبرى إلى التكتيك اللحظي، يعود كيسنجر رمزًا للعقلانية الاستراتيجية التي تخطط لما بعد الأزمة لا في قلبها فقط.
مؤشرات المرحلة
المؤشر التقييم التوقع
المفاوضات مع الصين إيجابي توسع مرتقب في الصناعات الرقمية
التصعيد مع كندا سلبي قابل للحل انفراج مرهون بتفاهم سياسي
الملف الإيراني توتر لفظي / حوار فعّال مرونة خلفية تؤهل لاستقرار نسبي
حركة الشركات واقعية تتحرّك تمهيد لصعود اقتصادي تدريجي
العملات المشفّرة مؤشر متقدم يُعبّر عن نبض الأسواق الجديدة
إرث كيسنجر صامت لكنه مؤثر نموذج تفكير لا يزال مرجعية
الخاتمة: من يربح السوق؟ من يملك القوة… أم من يملك الصبر؟
نحن أمام لحظة دقيقة ومفتوحة على كل الاحتمالات.
الأسواق لم تحتفل بعد، لكنها تتهيأ.
والقوة في هذا السياق لا تكمن فقط في القرارات، بل في التوقيت.
الارتفاع الاقتصادي لا يطرق الأبواب، بل يتسلل من النوافذ التي تُفتح بذكاء لا باندفاع.
وفي عالم متخم بالصخب، قد يكون أكثر ما نفتقده هو رجل يُفاوض بعين المؤرخ… لا برغبة الرئيس.
لذلك، يبقى كيسنجر حيًّا في كل غرفة قرار… حتى في غيابه.


