الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

من الحلبة إلى الحسبة: لخصم في زاوية الاتهام!

ضربة قلم

في بلدنا العزيز، حيث الجماعات الترابية أصبحت مسارح يومية لدراما محلية تترواح بين المضحك والمبكي، وبين التنموي والمتاهوي، ها نحن أمام فصل جديد من هذه المسرحية المفتوحة، بطله هذه المرة ليس “رجل سياسة محترف” أو إداري مخضرم، بل بطل عالمي سابق في الكيك بوكسينغ، مصطفى لخصم، الذي وجد نفسه يبدل الحلبة بقبة الجماعة، والمنافسين الرياضيين بمستشارين جماعيين ومفتشين قضائيين. إنها رحلة انتقال من الحزام الذهبي إلى الوثائق الإدارية، ومن تسديد الضربات بالرجل إلى تسديد الفواتير في الميزانية.

القضية التي شغلت الرأي العام المحلي بإيموزار كندر، لا تدور حول مشاريع كبرى أو فضائح عقارية، بل تتعلق بما أصبح تخصصًا وطنيًا بامتياز: تشغيل الأعوان العرضيين. هؤلاء “الأعوان”، الذين يُفترض أن يكونوا مؤقتين، تحوّلوا بقدرة قادر إلى أدوات دائمة لخدمة الأجندات السياسية، وقنوات غير رسمية لتصريف الغضب أو توزيع الولاء أو حتى تصفية الحسابات. فهل كان تعيينهم يتم بشفافية أم وفق مبدأ “أنت ولد فلان، تفضل اشتغل مؤقتًا حتى إشعار آخر”؟ وماذا عن المهام التي أُسندت إليهم؟ هل أنجزوها حقًا، أم اكتفوا بالظهور في لوائح الحضور، تمامًا مثل الأشباح التي نسمع عنها في القصص وليس في الإدارات؟

قاضي التحقيق بالغرفة الأولى لدى محكمة الاستئناف بفاس لم يضيع الوقت. أنهى جولته القانونية وسط كمٍّ من الملفات والدفاتر والمستندات، وأحال كل شيء على الوكيل العام للملك. المثير أن القضية لم تشمل فقط لخصم، بل طالت موظفين جماعيين، ومشتكين، ومصرحين، ومستشارين من المجلس نفسه، مما يعطي الانطباع أننا لسنا فقط أمام “ملف”، بل أمام شبكة من الروايات المتقاطعة التي تحتاج إلى أكثر من مجرد قاضٍ لفكّ شيفرتها.

ثلاثة مستشارين من داخل المجلس، ممن كانوا ذات يوم يتبادلون التحايا في الجلسات، أصبحوا اليوم في موقع المشتكي، يتحدثون عن خروقات، ويتهمون رئيس الجماعة، وربما كانوا هم أنفسهم جزءًا من نفس الدينامية التي يشككون فيها اليوم. إنه العجب المغربي الأصيل: نحن ضد الفساد… فقط عندما نكون خارجه.

أما الحديث عن “تبديد أموال عمومية”، فهنا تُرفع الأقلام وتجف الصحف. لأنه لم يعد أمرًا نادرًا أو صادمًا، بل صار مشهدًا مألوفًا لدرجة أن المواطنين فقدوا الحماس حتى للغضب. فكل جماعة تُطل علينا من حين لآخر بفضيحة أو شبهة، وكل رئيس جماعة يمر بلحظة “المساءلة”، وبعدها يعود كل شيء كما كان، لأن في بلدنا ملفات الفساد تخرج للعلن فقط عندما تنتهي صلاحية التحالفات السياسية أو تنفجر الخلافات الشخصية.

ولكي لا ننسى، فإن المجلس الأعلى للحسابات أصدر عشرات التقارير عن اختلالات الجماعات، بعضها يصلح لأن يتحول إلى سيناريوهات أفلام سوداء، لكن ما النتيجة؟ بين “حفظ الملف” و”الإحالة على المتابعة”، هناك بحر من التأويلات، وتضاريس من الإجراءات، وربما صفقات في الكواليس لا يعرفها إلا الراسخون في فن الصمت.

ولخصم، الذي دخل معترك السياسة بآمال إصلاحية، ووعود بمواجهة الفساد بـ”النية الطيبة” والأسلوب المباشر، وجد نفسه فجأة في ورطة لم يصنعها وحده. فهو ليس أول ولا آخر رئيس جماعة تُثار حوله الشبهات. الفرق فقط أن اسمه معروف، وأن ماضيه كبطل عالمي جعله تحت الأضواء أكثر من غيره. لكن البطولة في السياسة ليست كما في الرياضة. هنا لا يحكمك الحكم، بل القانون، وإذا تعثر الخطاب أو اختلت المعادلة، فحتى الإنجازات الرياضية لا تنفع.

فهل ننتظر قرارًا حاسمًا يُبرئ ذمة الرجل ويطوي الصفحة؟ أم أننا على موعد مع محاكمة علنية، تتحول فيها الجماعة الصغيرة إلى مركز وطني للاهتمام؟ كل الاحتمالات واردة، ويبقى المواطن البسيط في إيموزار كندر هو الحلقة الأضعف، يتابع الأخبار كما يتابع المسلسلات التركية: بحزن، وفضول، وشيء من الملل.

في النهاية، لعل هذه القضية، سواء انتهت بالحفظ أو بالمتابعة، تصلح لتذكيرنا بأن الشفافية ليست خيارًا، بل ضرورة، وأن من أراد دخول السياسة من باب “النية الحسنة”، فعليه أن يعرف أن النية وحدها لا تكفي في مواجهة بيروقراطية لها أسنان، وتحالفات لها مخالب، وميزانيات لها قابلية عالية على التبخر.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.