من “السبا” إلى السيبة: زيوت التدليك ما مسحتش آثار الجريمة!

ضربة قلم
يا سلام على المغرب بلد السياحة الروحية والجسدية، بلد الحضارات الممتدة بين الأطلس والحمام الساخن، بلد لا تعرف فيه هل السبا (Spa) هو مكان للاسترخاء أم محطة عبور نحو استدعاء عاجل من وكيل الملك! فبين جلسة تدليك و”جلسة استنطاق”، ضاعت النية الحسنة تحت أنامل زيوت الأرغان.
في قلب مراكش الحمراء، على شارع الزرقطوني تحديدًا، حيث تتقاطع الرغبة في الراحة مع خفة اليد والذكاء التجاري المشبوه، قررت العدالة أن تأخذ استراحة قصيرة من جدية ملفات الفساد المالي والمضاربات العقارية، لتتأمل قليلًا في عضلات مشدودة تم ضبطها متلبسة بالاسترخاء الفاضح.
العملية كانت “ناعمة” في بدايتها، لكنها تحولت بسرعة البرق إلى جلسة حامية داخل كوميسارية، حيث لم تنفع لا المناشف الفاخرة ولا رائحة البخور في طمس آثار “النشاط المشبوه”. المداهمة جاءت “بدقة” لا تحسد عليها حتى جلسة “مساج تايلاندي”، فالشرطة كانت تعرف متى وأين ومن وكيف، فقط لم يتركوا فرصة لأي أحد أن يطلق عبارة “أنا جاي غير ندوز ساعة ديال الراحة” دون أن يُضاف له بعدها مباشرة: “فالزنزانة”.
سبعة موقوفين، رقم جميل يصلح لمسلسل رمضاني. المالك الأجنبي وزوجته -الثنائي العالمي في عالم التدليك- كانا يعتقدان أن المغرب لا زال في زمن “دبر راسك”، لكن القانون قال لهما: “دبر راسك في الكوميسارية أولًا”، أما المستخدمون، فمنهم من كان يعتقد أنه يمارس مهاراته في تحسين الدورة الدموية، فإذا به يحسِّن فقط فرصته في تلقي استدعاء للمحكمة. وثلاثة زبائن؟ لا تعليق! لأنهم على الأرجح لم يكونوا يتخيلون أن الجلسة ستمر من “الصونا” إلى “الحراسة النظرية” في أقل من 24 ساعة.
النيابة العامة قررت تمديد الحراسة النظرية، وهو قرار منطقي لأن هذا النوع من “الاسترخاء” يحتاج إلى تحليل عميق، وربما إلى جلسات تأمل قانوني مكثفة. فالزبناء -وربما حتى العاملين- يعتقدون أن “السبا” مكان للهدوء والراحة، والحقيقة أن كل شيء فيه يدعو للريبة: موسيقى شرقية هادئة، شموع مضاءة، وأناس يدخلون دون مواعيد طبية، ويخرجون بملامح أكثر ارتباكًا من المرضى.
أما شارع الزرقطوني، فقد أصبح بقدرة قادر أشهر من ساحة جامع الفنا، ولكن ليس بسبب التنشيط أو عروض “الحلّيفة”، بل بسبب عروض التدليك التي تتحول فجأة إلى مشاهد من أفلام الأكشن، حين تقتحم الشرطة المكان ويختلط زيت اللافندر برائحة الخوف.
والمثير في الأمر أن مالك المركز أجنبي، وزوجته مستثمرة في “الهدوء الروحي”، وقد دخلا المغرب تحت شعار “الاستثمار في الراحة”، لكنهما خرجا بشعار “التعاون مع الضابطة القضائية”. أما المستخدمون، فهم ما بين شاب طموح أراد بناء مسيرته المهنية على أكتاف الزبائن، وفتاة كانت تحلم بالهجرة، فوجدت نفسها مهاجرة من “قاعة البخار” إلى “قاعة التحقيق”.
الزبائن، بدورهم، لا يمكن أن نلومهم بالكامل؛ فبعضهم ضحية دعاية جهنمية: “جلسة استرخاء شاملة، مع شاي الأعشاب ولمسة آسيوية”، دون أن يعلم أن اللمسة الآسيوية قد تتحول إلى كابوس قضائي مغربي. جلسوا على الأسرة الوثيرة، أغمضوا أعينهم، واستسلموا لأنامل خبيرة، قبل أن يفتحوا أعينهم على ضوء مصباح التحقيق: اسمك؟ اسم اباك؟ بن من؟ المهنة؟ واش كنتي عارف نوعية النشاط اللي كايدور هنا؟!
الشرطة، من جانبها، لا تلعب. ففرقة الأخلاق العامة يبدو أنها قررت هذه الأيام أن لا تترك حتى حمامة سلام تحوم فوق حمام بخار دون أن تُستجوب. وما إن يتسرب خبر عن “نشاط مشبوه” حتى تبدأ الخطة المحكمة: كمين، مراقبة، مداهمة، ثم تمديد الحراسة النظرية لأن زيت التدليك لا يُمسح بسهولة من سجلات الضابطة القضائية.
باختصار، يبدو أن زمن الاسترخاء قد ولّى، وأن زمن “سبا ولكن بحذر” قد حلّ. فمن الآن فصاعدًا، من قرر أن يُدلّك جسده في مراكز عشوائية، عليه أن يُدلّك جيبه أيضًا، تحسبًا لأتعاب المحامي. والمثل المغربي يجب أن يُعدّل ليصبح: “ما كاينش الراحة حتى تتسالي التحقيقات”.




