من الستريمر إلى الأستاذة: حين تُكافَأ الفوضى الرقمية ويُعاقَب الاحتجاج الاجتماعي في مغرب المفارقات

ضربة قلم
في ظرف زمني قصير، وجد الرأي العام المغربي نفسه أمام مشهدين قضائيين متجاورين زمنيًا، متباعدين دلاليًا، ومشحونين بأسئلة ثقيلة حول العدالة، والحرية، ومعايير الإنصاف، وحدود الدولة في التعامل مع الاحتجاج والتعبير في زمن التحول الرقمي والاحتقان الاجتماعي.
المشهد الأول بطله ستريمر مثير للجدل، تحوّل اسمه خلال أسابيع إلى ما يشبه “الظاهرة القضائية”، بعدما تراكمت ضده شكايات بالعشرات، في سابقة غير معهودة في تاريخ القضايا المرتبطة بالمحتوى الرقمي بالمغرب. إلياس المالكي، الذي أدانته المحكمة بعشرة أشهر حبسًا نافذًا، غادر السجن المحلي بالجديدة بعد أداء الغرامة وتعويض العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة، وفق ما يسمح به القانون، في خطوة بدت للبعض عادية من الناحية الإجرائية، لكنها فجّرت نقاشًا واسعًا على مستوى المعنى والرمزية.
المشهد الثاني، وفي الجهة المقابلة تمامًا من الصورة، يتعلق بأستاذة، نزهة مجدي، وجدت نفسها داخل أسوار السجن، بعد الحكم عليها بثلاثة أشهر حبسًا نافذًا، بسبب مشاركتها في احتجاجات الأساتذة المتعاقدين، للمطالبة بالإدماج في الوظيفة العمومية. تهم من قبيل “خرق حالة الطوارئ” و”إهانة القوة العمومية” كانت كافية لإيقافها وتنفيذ الحكم، رغم وضعها الصحي، ورغم الطابع الاجتماعي والمهني للاحتجاج الذي شاركت فيه.
بين القضيتين، لا يقف النقاش عند الأشخاص، بل يتجاوزهم إلى مفارقات عجيبة تكشف الكثير عن اللحظة المغربية الراهنة.
أول هذه المفارقات، أن الفضاء الرقمي، بما يحمله من صخب واستفزاز وانفلات في الخطاب أحيانًا، أصبح ينتج قضايا جنائية ذات أرقام قياسية، لكن في الوقت نفسه يتيح لمتابعيه، بطريقة أو بأخرى، هوامش للنجاة القانونية، عبر آليات بديلة ينص عليها القانون. المالكي لم يُبرَّأ، ولم يُلغ الحكم في حقه، لكنه خرج من السجن لأن القانون يتيح تعويض العقوبة الحبسية، ولأن الغرامة أُدّيت. هنا يظهر القانون في وجهه التقني البارد: لا عاطفة، لا رمزية، فقط مساطر وشروط.
في المقابل، تبدو الاحتجاجات الاجتماعية، خصوصًا تلك المرتبطة بالوظيفة العمومية والتعليم، وكأنها تقع في منطقة رمادية: لا هي جريمة خطيرة، ولا هي فعل محمي بالكامل. النتيجة أن المشاركين فيها قد يؤدون ثمنًا أثقل من صناع محتوى يتقنون اللعب على حافة القانون، أو يعرفون كيف يستفيدون من ثغراته.
المفارقة الثانية، أن الكم الهائل من الشكايات ضد المالكي لم يؤدِّ إلى تشديد العقوبة بالشكل الذي كان يتوقعه جزء من الرأي العام. هنا يظهر سؤال عميق: هل كثرة الشكايات تعني بالضرورة خطورة الفعل؟ أم أن القضاء يتعامل مع كل ملف على حدة، دون اعتبار للضجيج العام؟ في المقابل، أستاذة واحدة، بملف واحد، واحتجاج واضح المطالب، تجد نفسها خلف القضبان، دون أن تنجح النداءات الحقوقية أو النقابية في وقف التنفيذ.
المفارقة الثالثة، وربما الأخطر، تتعلق بالصورة التي تتشكل في الوعي الجماعي: صورة عدالة قد تبدو، في لحظة معينة، أكثر صرامة مع الاحتجاج الاجتماعي منها مع الفوضى الرقمية. وهذه الصورة، سواء كانت دقيقة أو مجحفة، تخلق شرخًا في الثقة، لأن العدالة لا تُقاس فقط بالأحكام، بل أيضًا بالإحساس العام بالإنصاف.
ثم هناك مفارقة الزمن: نحن في مغرب يتحدث عن إصلاح العدالة، وعن العقوبات البديلة، وعن حقوق الإنسان، وفي الآن نفسه تُنفذ أحكام سالبة للحرية في ملفات احتجاج اجتماعي، بينما تُفعَّل المرونة القانونية، في ملفات أخرى تحظى بمتابعة إعلامية وشعبية واسعة.
لا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بالإفراج عن شخص أو التشدد مع آخر، بل بطرح سؤال أعمق: كيف تُدار الأولويات في إنفاذ القانون؟
هل يُنظر إلى الاحتجاج الاجتماعي بوصفه تهديدًا للنظام العام، أكثر من كونه تعبيرًا عن أزمة؟
وهل أصبح المحتوى الرقمي، مهما بلغ من إساءة أو تحريض، أقل كلفة من النزول إلى الشارع للمطالبة بحق مهني؟
ما يحدث اليوم في المغرب يعكس مفارقة انتقالية: دولة تحاول ضبط الفضاء الرقمي دون خنقه، وتواجه الاحتجاج الاجتماعي، دون أن تمتلك دائمًا أدوات سياسية كافية لاحتوائه، فيلجأ الميزان أحيانًا إلى كفة الزجر بدل المعالجة.
في النهاية، تبقى القضايا القضائية أحداثًا معزولة من حيث النص، لكنها متصلة من حيث الدلالة. وقضية المالكي وقضية نزهة مجدي ليستا سوى مرآتين تعكسان أسئلة أكبر: عن العدالة، والحرية، وحدود التعبير، ومعنى الإنصاف في مغرب يتغير بسرعة، لكن وعيه الجماعي ما زال يبحث عن إجابات مقنعة.




