الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

من الفن إلى الضجة: كيف أصبح القبح بوابة الشهرة؟

عبد الإله بوسيف/ ألمانيا

لم يعد السؤال اليوم: لماذا يعرض الفن القبح؟ بل أصبح السؤال الأصدق: لماذا تحوّل القبح إلى طريق مختصر نحو الشهرة؟

نعيش زمناً تراجعت فيه فكرة “حارس البوابة”. لم تعد النجومية تمر عبر سنوات من التكوين والصبر والتدرّج، بل يكفي أحياناً أن تكون صادماً أو مثيراً للجدل، أو قادراً على خطف الانتباه لثوانٍ، لتجد نفسك تحت الأضواء وعلى السجاد الأحمر. ومن هنا تبدأ الحكاية.

الواقعية… حين تتحول إلى سوق

لطالما كان الفن مرآة للمجتمع، يكشف تناقضاته ويطرح أسئلته. غير أن ما تغيّر هو طريقة توظيف هذه “الواقعية”. فقد تحولت لدى بعض الإنتاجات إلى سباق نحو:

  • جرأة أكبر
  • صدمة أعلى
  • حدود أخلاقية أقل

لم يعد الهدف دائماً فهم الواقع بقدر ما أصبح جذب الانتباه إليه عبر الصدمة. ومع تكرار هذا الأسلوب، يحدث ما يعرفه علم النفس: التكيّف. ما كان صادماً بالأمس يصبح عادياً اليوم، وما هو عادي اليوم، يحتاج غداً إلى جرعة أقوى ليُلفت الانتباه. هنا لا نتحدث عن رسالة فنية بقدر ما نتحدث عن منطق سوق.

من تجسيد الشر إلى تعقيده

في عدد متزايد من الأعمال، لم تعد الشخصيات السلبية، تُقدَّم فقط كرمز للخطأ، بل أصبحت أكثر تعقيداً من حيث البناء الدرامي: ذكية، جذابة، وأحياناً محاطة بسياقات تدعو إلى الفهم.

هذا التحول لا يعني بالضرورة تبرير السلوك، بل قد يكون محاولة لفهم دوافعه. غير أن الإشكال يظهر حين يتحول هذا الفهم إلى إعجاب غير واعٍ، أو حين تُختزل القصة في جاذبية الشخصية بدل مساءلة أفعالها. وهنا يكمن خطر الانزلاق من التحليل إلى التطبيع.

التبلّد الأخلاقي: مسار غير مرئي

التغير في الحساسية لا يحدث فجأة، بل عبر مسار تدريجي:
صدمة – اعتياد – تقبّل – استهلاك ترفيهي

ومع التكرار، يصبح القبح مادة عادية، ضمن المحتوى اليومي. ليس لأن الإنسان يميل إليه بالفطرة، بل لأن التعرّض المستمر يخفّف أثره. أخطر ما في هذا التبلّد، أنه لا يُشعِر صاحبه بحدوثه.

هل الصدمة دائماً سلبية؟

من الإنصاف القول إن الصدمة ليست دائماً أداة سطحية. كثير من الأعمال الفنية الكبرى، كانت مزعجة، لأنها كشفت ما لا يُراد رؤيته.

الفرق الجوهري يكمن في الغاية:

  • صدمة تُستخدم لكشف الواقع وفهمه
  • وصدمة تُضخَّم من أجل التسويق والاستهلاك

المشكلة ليست في حضور القبح داخل العمل الفني، بل في تحويله إلى مادة للاحتفاء بدل مساءلته.

اقتصاد الانتباه: منطق الخوارزميات

في بيئة رقمية تُقاس فيها القيمة بعدد المشاهدات، يصبح الانتباه عملة. وأسرع طرق جذبه معروفة: الإثارة، الجدل، الاستفزاز.

الخوارزميات لا تحكم أخلاقياً على المحتوى، بل تفضّل ما يُبقي المستخدم أطول وقت ممكن. وهكذا تغيّر السؤال من: “ما الذي نريد قوله؟” إلى: “ما الذي سيجعل المشاهد لا يغادر؟”

صعود نجوم الضجة

لم يعد الحضور الإعلامي حكراً على الفنانين بالمعنى التقليدي. برز نوع جديد من النجومية قائم على القدرة على إثارة الجدل وصناعة الحدث.

هذا لا يلغي وجود فن حقيقي، لكنه يخلق منافسة غير متكافئة بين من يراكم تجربة طويلة، ومن يحقق انتشاراً سريعاً عبر الضجة. السوق هنا لا تكافئ بالضرورة الأفضل، بل الأكثر لفتاً للانتباه.

الحرية والمسؤولية

يُطرح هذا التحول غالباً تحت شعار حرية التعبير. وهي قيمة أساسية، لكنها لا تعني غياب النقاش أو النقد.

حرية التعبير تضمن الحق في الإبداع، لكنها لا تعفي من المسؤولية الثقافية، كما أن النقد لا يُناقض الحرية، بل يساهم في ترسيخها.

دائرة التأثير المتبادل

هل الفن يقود الذائقة؟ أم أن الذائقة تقود الفن؟
الحقيقة أن العلاقة تفاعلية:

  • الفن يتأثر بالسوق
  • السوق تتأثر بالجمهور
  • والجمهور يتأثر بما يُقدَّم له

هي دائرة مستمرة، يتأثر كل طرف فيها بالآخر.

من يحمي حساسية الإنسان؟

الحفاظ على التوازن لا يقع على جهة واحدة، بل هو مسؤولية مشتركة:

1) الفرد:
الوعي بما نستهلكه، وطرح أسئلة بسيطة: ماذا أشاهد؟ ولماذا؟ وما أثره عليّ؟

2) التربية:
تعليم مهارات التلقي النقدي، والتمييز بين العمق والإثارة، بين التعبير الفني والتسويق.

3) الفن الجاد:
الاستمرار في تقديم أعمال تراهن على الجودة والمعنى، حتى إن لم تكن الأعلى انتشاراً.

4) المجتمع:
إعادة النظر في معايير النجاح، بحيث لا تُختزل في الأرقام، بل تشمل القيمة والإتقان.

خاتمة

القضية ليست في وجود القبح داخل الفن، بل في كيفية التعامل معه.
الخطر الحقيقي لا يكمن في أن نراه… بل في أن نعتاد عليه دون أن ننتبه.

فحين يمرّ القبح أمام أعيننا، دون أن يثير أي تساؤل، نكون قد فقدنا شيئاً أعمق من الذائقة… فقدنا القدرة على الإحساس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.