من المحمدية إلى الرباط… الدكتور حسن الأعرج يوقّع حضوره في معرض الكتاب بين أسئلة الموت وإيقاع الشعر

ضربة قلم
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتبهت فيه المعاني، تعود الثقافة لتفرض حضورها بهدوء… لكن بعمق.
فبعيدًا عن الضجيج اليومي، يطلّ علينا موعد ثقافي يحمل الكثير من الدلالات، حيث يضرب الدكتور حسن الأعرج موعدًا مع القراء، ليس فقط في فضاء محلي، بل من قلب العاصمة الرباط، ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب، أحد أبرز التظاهرات الثقافية في المغرب.
الحدث ليس مجرد حفل توقيع عابر، بل لحظة فكرية تتقاطع فيها أسئلة الشعر، وإشكالات النقد، ورهانات القراءة في زمن لم يعد يمنح النصوص ترف التأمل الطويل.
كتاب أول… حين يصبح الموت مرآة للإنسان
في عمله النقدي
“الشعر المغربي المعاصر: المنجز ورهانات التأويل”
يقدّم الدكتور حسن الأعرج قراءة أكاديمية معمقة، تتجاوز الوصف إلى التفكيك، وتغوص في واحدة من أكثر التيمات حضورًا وإثارة للقلق في الشعر: الموت.
لكن الموت هنا ليس نهاية بيولوجية، ولا مجرد موضوع شعري تقليدي.
إنه يتحول إلى أداة تحليل، وإلى لغة رمزية تكشف قلق الإنسان الحديث، وتعيد طرح الأسئلة الوجودية الكبرى.
ومن خلال تركيزه على تجربة الشاعر المغربي عبد الله راجع، خصوصًا في دواوينه:
- الهجرة إلى المدن السفلى
- سلامًا وليشربوا البحار
- أيادٍ كانت تسرق القمر
ينجح الباحث في تحويل النص الشعري إلى فضاء مفتوح للتأويل، حيث يصبح الموت بنية دلالية معقدة، تتجاوز الفقد إلى ما يشبه “الشهادة الشعرية” على زمن مأزوم.
الكتاب، في جوهره، ليس فقط دراسة حول شاعر، بل محاولة لفهم تحولات الشعر المغربي المعاصر، وانتقاله من الرومانسية الحالمة إلى حداثة مثقلة بالأسئلة والقلق.
كتاب ثانٍ… حين يُستعاد نبض القصيدة
في مقابل هذا العمق الفلسفي، يأتي العمل الثاني:
“محاضرات وتطبيقات في علم العروض”
هنا، يغيّر الدكتور الأعرج زاوية النظر، لينتقل من المعنى إلى البنية، ومن التأويل إلى الإيقاع.
فالكتاب يُعد مرجعًا بيداغوجيًا يهدف إلى تبسيط علم العروض، ذلك العلم الذي وضع أسسه الخليل بن أحمد الفراهيدي، والذي يُعتبر ميزان الشعر العربي.
لكن ما يميز هذا العمل، هو تركيزه على الجانب التطبيقي، حيث لا يكتفي بشرح البحور الشعرية الستة عشر، بل يسعى إلى تدريب القارئ على التقاط الموسيقى الداخلية للنص، وفهم أسرار الإيقاع.
إنه كتاب يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها جوهرية:
لا يمكن فهم الشعر… دون الإصغاء إلى صوته.
حسن الأعرج… مسار يبدأ من المحمدية
وراء هذا المشروع الفكري، يقف اسم أكاديمي راكم تجربة طويلة ومتنوعة: الدكتور حسن الأعرج، ابن مدينة المحمدية، حيث وُلد وترعرع، وتشكلت ملامح وعيه الأول بين فضاءاتها وتفاصيلها اليومية.
من هذه المدينة، انطلقت رحلته نحو عالم اللغة العربية وآدابها، حيث تابع دراسته الجامعية، قبل أن يحصل سنة 2012 على شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدًا، ببحث تمحور حول “تيمة الموت في أشعار عبد الله راجع”، وهو الموضوع الذي سيصبح لاحقًا محورًا أساسيًا في مشروعه النقدي.
مساره لم يكن أكاديميًا فقط، بل جمع بين:
- العمل الإداري داخل جامعة الحسن الثاني
- التدريس الجامعي في مجالات الشعر الحديث والنقد الأدبي
- المساهمة في البحث العلمي والنشر الأكاديمي
- التأطير التربوي والعمل الجمعوي
كما يشغل عضوية عدد من اللجان العلمية، ويشارك في تحكيم أبحاث أكاديمية داخل المغرب وخارجه.
وتكريسًا لهذا المسار، تم تعيينه هذه السنة عضوًا في لجنة جائزة المغرب للكتاب، وهو تتويج لا يعكس فقط مجهودًا فرديًا، بل يُعد أيضًا اعترافًا بمدينة المحمدية، التي أنجبت أحد أبنائها في مسار علمي وثقافي وازن.
من توقيع إلى رسالة ثقافية
أن تختار الرباط، وداخل المعرض الدولي للكتاب، لتقديم هذا العمل، فذلك ليس تفصيلًا عابرًا.
بل هو انتقال من فضاء محلي إلى منصة وطنية مفتوحة، حيث يُختبر الكتاب أمام جمهور متنوع، من طلبة وباحثين وقراء.
في هذا السياق، يتحول حفل التوقيع إلى أكثر من مجرد لقاء، ليصبح دعوة صريحة إلى:
- إعادة الاعتبار للقراءة
- طرح أسئلة جديدة حول الشعر
- التفكير في علاقة القارئ بالنص في زمن السرعة
الخلاصة
بين الموت كفكرة فلسفية، والعروض كعلم دقيق، يقدّم الدكتور حسن الأعرج مشروعًا مزدوجًا:
مشروع يغوص في عمق المعنى،
ويعيد ضبط إيقاعه في آن واحد.
وبين المحمدية التي انطلق منها، والرباط التي تحتضن هذا الموعد الثقافي، تتشكل حكاية باحث، اختار أن يشتغل بصمت… لكن بعمق.
فهل لا يزال الشعر قادرًا على إقناعنا؟
وهل نملك الوقت لنصغي إليه؟




