مجتمع

من المحمدية إلى خريبكة… انتقال العامل ومعه “الخدمة” كاملة!

ضربة قلم

في بلاد لا تمر فيها التسميات دون نكهات… حيث تعيين العامل الجديد يشبه تغيير ديكور قديم لخشبة مسرح، نفس الممثلين، ونفس النص الركيك، فقط يتم تغيير الإضاءة كي يبدو المشهد أكثر احتراماً. أما في المحمدية، فقد اعتدنا أن نشاهد هذا المسرح منذ سنوات، بل وصرنا نعرف  -بحكم التجربة- أين ستنزل الستارة قبل أن يرفعها المخرج.

بالأمس فقط، غادر العامل مدينة الزهور، وهي تودعه بلا دمعة، بلا باقة ورد، بل بألسنة الناس التي حفظت مواقفه كما تُحفظ خيبات الأمل: على مضض. الرجل الذي تنقل بين الملفات دون بصمة واضحة، والذي اتُّهم -بالأدلة لا بالتخمين-  باتخاذ قرارات تُشبه منطق “حذق السوق”، تم انتقاله! ليس عقاباً، بل في قالب إعادة الانتشار. يا للعجب، يبدو أن في هذا البلد يتم تصنيف الفشل كمؤهل للتقدم!

والأغرب من الترقية، هو هذا البروز “الكاريكاتوري” لمخلوق بلا اسم وظيفي، بلا صفة رسمية، بل وربما بلا فهم للغة الفرنسية التي تُحرَّر بها جل المراسلات الإدارية. نُلقبه، مجازاً، بـ”السمسار طويل القامة”، وهو يشبه تلك الظلال التي ترافق الأجسام دون أن تملكها. لكن هذه الظلال صارت الآن تتحدث، تهمس، تقرر، وتتجاوز المسؤولين أنفسهم، حتى صرنا نتساءل: هل هذا هو الوالي الفعلي ونحن لا نعلم؟

إن وجود هذا الكائن في كواليس القرار، وخلف الكراسي، وأحياناً أمام الكاميرات، يطرح سؤالاً وجودياً: هل نحن فعلاً في دولة مؤسسات، أم في مقاولة تجارية تُدار بمنطق “ولد الحومة”؟ وإذا كانت الدولة فعلاً تحترم نفسها ومؤسساتها، فكيف تترك ملفاً حساساً كملف تدبير مدينة بموقع استراتيجي مثل المحمدية عرضة لسمسار لا يملك حتى شهادة تثبت أنه أتم دراسته الابتدائية؟

أما بخصوص الموظف العجيب الذي رافق العامل من عمالة مديونة إلى المحمدية، ويبدو أنه سيحمل معه حقائبه إلى خريبكة، -حيث لا غولف ولا امتيازات باردة-، فإن السؤال لم يعد عن كفاءته، بل عن سر هذا “التلازم العاطفي” بينه وبين المسؤول الذي يتحرك وكأنه لا يثق في أحد غيره! هذا “العازب جداً”  لا يتردد في أداء مهام لا تظهر في قرارات التعيين، ولا تُدرج ضمن محاضر الاجتماعات، لكنها تُعرف في أروقة الإدارة بـ”المهام الحساسة” التي تتطلب صمتاً مطبقاً، وخبرة في اقتناص الفرص، لا الملفات.

إننا لسنا ضد أحد، ولا نحمل أحقاداً شخصية، لكننا نرفض هذا الانزلاق الممنهج نحو التلاعب بالثقة العامة. نرفض أن نرى مدناً كاملة تُدار بعقلية السمسرة والولاءات، ونرفض أن نُعامل كمواطنين بلا ذاكرة. والذين يظنون أن الانتقال غسيل للسمعة، فليعلموا أن التاريخ لا يُمحى بمذكرة تعيين، وأن ذاكرة المحمدية ليست ذاكرة سمك.

إن التسليم الرمزي للسلطة، الذي يُفترض أن يكون مناسبة لاستعراض مؤسساتي رصين، بات مناسبة لتصوير “السيلفي”، وفسح المجال أمام الطفيليين ليظهروا في الصف الأول. هذه ليست دولة، بل نسخة رديئة من تمثيلية قديمة، تنقصها فقط موسيقى حزينة، كي نصدّق أن كل هذا يحدث فعلاً في المغرب.

فليعلم الرجل أن المحمدية ليست محطة استراحة، ولا خريبكة منتجع إداري. وأن من فشل في مدينة صغيرة لن يصنع المعجزات في مدينة أخرى. والتاريخ لا يرحم من خان الثقة، حتى لو زُين له أنه لا زال يمسك بالخيوط.

أما نحن، فقد أخذنا الجرعة الكاملة من لقاح المناعة ضد التهريج الإداري، ولا نحتاج لوصفة جديدة من وزارة الداخلية.

تحذير إلى سكان خريبكة:

إلى ساكنة خريبكة الكريمة،
من باب التحذير لا التهويل، ومن باب نقل التجربة لا تصفية الحسابات، نهمس في آذانكم – بصوت عالٍ-  أن القادم إليكم ليس حامل مفاتيح التغيير، بل حامل حقائب فيها ملفات مفتوحة وأخرى مغلقة بإحكام، ومعه “رفيق الظل” الذي لا يفارقه لا في الحل ولا في الترحال، الموظف العجيب الذي لا نعلم إن كانت وظيفته الرسمية هي تقديم التقارير، أم ترتيب المواعيد، أم مجرّد ضبط “مناخ الثقة” و”التفاوض” في الكواليس.

نصيحتنا لكم: راقبوا جيوبكم، أرصدتكم العقارية، مساحاتكم الخضراء، وحتى جداول الأشغال في المجالس، فربما يتسرب إليه جدول آخر، غير مرئي، تحت الطاولة. ولا تنخدعوا بالربطات الحريرية ولا بكلمات المجاملة، فالتجربة علمتنا أن أكثر الوجوه ابتسامة قد تخفي أكثر الأجندات قتامة.

وإن كنتم لا تصدقون، فاسألوا أبناء المحمدية… فهم أدرى بمن “عبر بهم” من هنا إلى هناك دون أن يترك وراءه سوى فراغات إدارية ومناخ مشبع بالضباب و”دير علاش ترجع”…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.