الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

من المستفيد من مليارات الانتخابات: المواطن أم زعماء الدكاكين السياسية؟

ضربة قلم

مما لا شك فيه أن الدولة المغربية، ترصد في كل محطة انتخابية، اعتمادات مالية ضخمة من المال العام، لفائدة الأحزاب السياسية، تحت مبررات متعددة من قبيل تشجيع المشاركة السياسية، وتأطير المواطنين، وتعزيز الممارسة الديمقراطية، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف التنظيمات الحزبية. وهي أموال مصدرها في نهاية المطاف جيوب دافعي الضرائب، سواء كانوا موظفين أو عمالاً أو حرفيين أو تجاراً صغاراً أو متقاعدين، يقتطع من معاشاتهم الهزيلة، ما يساهم في تمويل هذه العملية برمتها.
ولا يكاد يمر موسم انتخابي دون أن تعود إلى الواجهة الأحاديث عن التزكيات الحزبية، التي يصفها البعض بأنها تحولت في بعض الحالات، من آلية ديمقراطية لاختيار المرشحين إلى ما يشبه السوق المفتوحة. فكلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت الأصوات التي تتحدث عن نفوذ المال وعلاقاته، في حسم أسماء المرشحين، حتى بات المواطن البسيط يتساءل ساخراً: هل الفوز بالتزكية رهين بالكفاءة والرصيد النضالي، أم بحجم الإمكانيات التي يملكها المرشح؟ وهي أسئلة تزداد إلحاحاً، كلما تم إبعاد أسماء معروفة بحضورها الميداني، مقابل صعود وجوه، لم يسمع بها أحد إلا مع اقتراب موعد الانتخابات.

غير أن السؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة، خصوصاً في المقاهي والأسواق والأحياء الشعبية، يبقى بسيطاً ومباشراً: إذا كانت النتائج في نظر فئة واسعة من المواطنين، تبدو محسومة سلفاً، وإذا كانت الوجوه نفسها تتكرر منذ عقود، وإذا كانت التحالفات تتشكل وتتفكك وفق حسابات معروفة مسبقاً، فما جدوى إنفاق كل هذه المليارات على انتخابات، لا يشعر المواطن بعدها بأي تغيير حقيقي في مستوى معيشته، أو في جودة الخدمات العمومية، أو في أوضاعه الاجتماعية؟

إن المواطن البسيط الذي يقف ساعات طويلة أمام الإدارات العمومية، أو الذي يطوف بين المستشفيات بحثاً عن سرير أو دواء، أو الذي يعجز عن إيجاد فرصة عمل تحفظ كرامته، ينظر إلى المشهد الانتخابي بنوع من الريبة والشك. فهو يسمع الوعود نفسها تتكرر كل خمس سنوات، ويرى الشعارات ذاتها، تعود بعبارات جديدة، ثم يكتشف بعد انتهاء الحملات أن واقعه اليومي بقي كما هو، وربما ازداد صعوبة.

وفي خضم هذا الواقع، تتردد على نطاق واسع اتهامات لا تكاد تخلو منها أي محطة انتخابية، تتعلق بما يسمى “سوق التزكيات”. فالكثير من المتتبعين، يعتقدون أن بعض الأحزاب لم تعد تهتم كثيراً بالكفاءة أو بالنضال السياسي أو بالحضور الميداني للمرشحين، بقدر ما تهتم بمن يمتلك القدرة على تمويل حملته أو ضمان مقعد انتخابي، أو توفير موارد مالية للحزب. وهكذا تتحول التزكية، التي يفترض أن تكون شهادة ثقة سياسية وأخلاقية، إلى موضوع جدل دائم وشبهات لا تنتهي.

ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، حين يتحدثون عن وجود أشخاص ينتقلون بين الأحزاب، كما ينتقل المسافر بين محطات القطار، دون أن يتغير شيء في قناعاتهم أو برامجهم أو خطاباتهم. فالحزب بالنسبة لهؤلاء، ليس إطاراً فكرياً أو مشروعاً مجتمعياً، بل مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب والامتيازات. لذلك لا يستغرب المواطن، حين يرى منتخباً كان بالأمس يهاجم حزباً معيناً بأقسى العبارات، ثم يصبح في اليوم الموالي، أحد أبرز المدافعين عنه بمجرد حصوله على التزكية.

وما يزيد من تعميق أزمة الثقة أن عدداً من الأحزاب التي تستفيد من الدعم العمومي السخي، لا يظهر لها أثر حقيقي بين الانتخابات. فمقراتها مغلقة في كثير من الأحيان، وأنشطتها شبه منعدمة، وتأطيرها للمواطنين محدود للغاية، لكنها تستيقظ فجأة مع اقتراب موعد الاقتراع، لتعود إلى سباتها فور انتهاء عملية التصويت.

المفارقة الكبرى أن الدولة، تمتلك من الأجهزة والمؤسسات والآليات الرقابية، ما يجعلها على اطلاع واسع على تفاصيل الحياة السياسية والانتخابية. ولذلك يتساءل كثيرون: إذا كانت الجهات المختصة، تعلم حقيقة ما يجري داخل بعض التنظيمات، وتدرك مكامن الخلل ومظاهر الانحراف والتلاعب، فلماذا تستمر الممارسات نفسها، دون معالجة جذرية تعيد الثقة إلى المواطن؟

إن الأزمة الحقيقية، لا تكمن فقط في حجم الأموال التي تصرف على الانتخابات، بل في الشعور المتنامي لدى فئات واسعة من المغاربة بأن السياسة، تحولت عند البعض إلى تجارة مربحة أكثر منها خدمة للشأن العام. فحين يفقد المواطن ثقته في المنتخبين، ويفقد ثقته في الأحزاب، ويقتنع بأن صوته لا يغير شيئاً، فإن الخاسر الأكبر، لا يكون حزباً أو مرشحاً بعينه، بل تكون الحياة السياسية برمتها.

ولهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم، لا ينبغي أن ينصب فقط على تنظيم انتخابات جديدة، أو رفع نسب المشاركة، وإنما على إعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات السياسية. فالديمقراطية لا تقاس بعدد صناديق الاقتراع، ولا بحجم الحملات الانتخابية، بل بمدى شعور المواطن بأن صوته له قيمة، وأن المنتخب الذي منحه ثقته، سيظل وفياً لوعوده، وأن المال العام المخصص للأحزاب، يعود بالنفع على المجتمع لا على فئة محدودة من المستفيدين.

وعندما يصل المواطن إلى مرحلة يتساءل فيها بمرارة: “لماذا نصوت إذا كانت الأمور لا تتغير؟”، فإن ذلك السؤال وحده، يكفي ليكشف حجم التحديات التي تواجه العمل السياسي، وحجم الحاجة إلى مراجعات عميقة، تعيد للانتخابات معناها الحقيقي، وتجعلها أداة للتغيير والتنمية والمحاسبة، لا مجرد موعد دوري يستهلك الأموال والوعود، ثم ينتهي كما بدأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.