من طبشورة القرية إلى قيادة المديرية: حكاية نجاح لا تُكتب في البلاغات

ضربة قلم
في زمنٍ يُقاس فيه النجاح غالبًا بالأرقام والبلاغات الرسمية والمجالس الجهوية، نُصرّ، نحن المتتبعين والمشتغلين على الشأن التربوي، على أن النجاح الحقيقي يُقاس بالرحلة، لا فقط بالوصول. ومن هنا، نضع ترشيحنا الرمزي، الصادق، لمدير إقليمي يُجسّد فعليًا صورة رجل التعليم المسؤول، المُتشبّع بتجربة الواقع، لا التكوين المُعلّب.
نرشّح، بكل قناعة واعتزاز، مديرًا إقليميًا وُلد مهنيًا في أحضان قرية نائية، حيث لا شيء يُعطى، وكل شيء يُنتزع بإرادة من فولاذ. رجلٌ خبر غبار الطريق، ومشى في مسالك وعرة للوصول إلى حجرة دراسية تُعلّم أطفالًا أحيانًا بأحذية مهترئة، وأحيانًا دون وجبة فطور. رجلٌ يعرف ماذا يعني أن تُنجز درسًا داخل فصل بلا نوافذ، أن تبحث عن طبشورة كما يبحث الجندي عن الذخيرة، وأن تعتبر تأمين الدفتر المدرسي للتلميذ إنجازًا يوازي بناء مدرسة.
تجربة قروية لا تُنسى
هذا المدير لم يولد في المكاتب المكيفة، بل بدأ كأستاذ بسيط في قرية بعيدة عن مركز النيابة بـ40 كيلومترًا، في زمن لم تكن فيه المسالك معبّدة، ولا الهواتف ذكية، ولا الإدارة قريبة. كان عليه أن يُدرّس صباحًا، ويقوم مقام المدير ظهرًا، ويُصلح النافذة مساءً، ويواسي تلميذًا فقد أحد والديه ليلًا.
لقد تشرّب مفهوم المدرسة كمجتمع صغير، لا كمجرد مؤسسة عمومية تؤدى فيها الخدمة وينصرف الموظف.
وفي الوقت الذي كان فيه آخرون يحجزون مقاعدهم في مراكز القرار عبر العلاقات أو الولاءات، كان هو يتدرّج، بعرق الجبين، وبأثر الطباشير على اليد، من أستاذ، إلى مدير وحدة مدرسية، ثم إلى مفتش، ثم مسؤول تربوي، فمدير إقليمي، محمولًا على ثقة الميدان لا المحاباة.
عندما تصعد من الجذور، لا تهاب القمم
ما يجعل هذا المدير الإقليمي “أنجح” – في نظرنا – ليس فقط التقييمات الرقمية أو تقارير الوزارات، بل لأنه حين يتخذ قرارًا داخل مكتبه اليوم، فإنه يعرف جيدًا ما يعنيه ذلك القرار في أقصى نقطة من الخريطة المدرسية. يعرف أن تغيير الأستاذ في آخر لحظة كارثة على المتعلمين. يدرك أن إلغاء النقل المدرسي يعني سير الأطفال عشرة كيلومترات تحت الشمس. يعلم أن غياب المدير في مدرسة فرعية لا يُعوَّض بمكالمة هاتفية من النيابة.
إنه لا يُقيس الأمور بالمساطر فقط، بل بميزان الضمير المهني، لأنه مرّ من هناك، من المعاناة، من العزلة، من لحظات الانكسار والانتصار الصغيرة.
قيادة إنسانية تتجاوز التعليمات
النجاح، في نهاية المطاف، ليس في تنفيذ المذكرات، بل في إبداع الحلول داخل الإكراهات. وهذا ما يجيده صاحبنا، لأنه من طينة القادة الذين يشتغلون بـ”العين الثالثة”: عين ترى النص، وعين ترى الواقع، وعين ثالثة ترى الكرامة الإنسانية للمعلّم والمتعلّم.
في عهده، لم تعد الإدارة التربوية سلطة فوقية، بل شريكًا محليًا. لم تعد الاجتماعات مسرحيات منمقة، بل فضاءات اقتراح حقيقي. وبدأت المؤسسات تنبض بمبادرات لا تصدر من الوزارة، بل من المدرّجات، والمكاتب البسيطة، والأطر النزيهة التي وجدت فيه ظهرًا وسندًا لا متربصًا.
ختامًا… يستحق أن يُذكر بالاسم
فهل من آذان صاغية في الوزارة، وهل من تقارير رسمية تُنصف يومًا هؤلاء الذين بدأوا رحلتهم من القاع، وظلوا أوفياء للمكان الذي انطلقت منه خطواتهم الأولى؟ نحن هنا لا نخص أحدًا بعينه، بل نُسلّط الضوء على نماذج صادقة تستحق أن تُحتذى، وعلى مسارات ينبغي أن تُكرَّم، لا أن تُهمَّش.




