من باب الرواح إلى باب الإنصاف: المتصرفون التربويون يقرعون جرس الظلم أمام وزارة التربية الوطنية

ضربة قلم
لم تكن وقفة اليوم بالرباط، مجرد تجمّع عابر لأطر إدارية خرجت لتؤدي واجب الاحتجاج، بل كانت مشهداً مكثفاً لسنوات من الصبر المؤلم، والتراكم الصامت للإحساس بالحيف، والانتظار الطويل لتسوية ملف ظل عالقاً بين رفوف الإدارة وأدراج القضاء. أمام مقر وزارة التربية الوطنية، ارتفعت الأصوات، لا لتعلن القطيعة مع الدولة، بل لتذكّرها بأن داخل المدرسة العمومية رجالاً ونساءً يشعرون اليوم أنهم عوقبوا بدل أن يُنصفوا، وأُقصوا بدل أن يُكافأوا على سنوات من العمل والتدبير وتحمل المسؤولية.
الوقفة في شكلها كانت هادئة، لكنها في مضمونها شديدة القسوة. حضور المتصرفين التربويين، لم يكن حضوراً انفعالياً، بل حضور ملف قانوني وإداري ونضالي طويل النفس. فهؤلاء لا يطالبون بمنحة ظرفية ولا بإجراء استثنائي خارج النصوص، بل يلوّحون بوثائق، وبأحكام قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به، وبأرقام وعتبات ونقط تثبت – في نظرهم – أنهم استوفوا الشروط نفسها التي ترقى بها غيرهم، دون أن ينالوا الحظ ذاته من الترقية.
في هذا السياق، تبدو الوقفة كأنها ترجمة ميدانية لمعادلة مختلة داخل تدبير الموارد البشرية: نفس الإطار القانوني، نفس شروط الاستحقاق، نفس العتبة في الترقية، لكن النتائج مختلفة. وهذا الاختلاف، حين لا يُفسَّر إدارياً ولا يُصحَّح قانونياً، يتحول من خطإ تقني إلى إحساس بالتمييز، ومن تمييز إلى شعور بالاحتقار المهني. وهنا بالضبط يتجاوز الملف بعده الإداري ليصير مسألة كرامة مهنية قبل أن يكون مسألة درجات وسلالم وترقيات.
اللافت في وقفة اليوم، أنها لم تُبنَ فقط على خطاب الاحتجاج، بل رافقها وعي واضح، بأن المعركة ليست ضد الوزارة كشخص معنوي، بل ضد منطق “التسويف” و”التجاهل” و”الالتفاف” على الحلول الواضحة. فحين تصدر أحكام قضائية لصالح المتضررين، ثم لا تجد طريقها إلى التنفيذ الشامل والعادل، يتحول القضاء نفسه إلى جزء من الحجة الأخلاقية للمحتجين: كيف يمكن الحديث عن دولة القانون إذا كان الحكم يُنفذ جزئياً أو يُؤوَّل إدارياً بما يفرغه من روحه؟
ومن زاوية أوسع، تعكس هذه الوقفة أزمة أعمق داخل قطاع التربية الوطنية: أزمة الاعتراف بأطر الإدارة التربوية كفاعل مركزي في المنظومة، لا كحلقة وسيطة بين الأستاذ والتلميذ فقط. المتصرف التربوي، في المخيال الإداري، هو منفذ للتعليمات؛ لكن في الواقع اليومي، هو مدير للأزمات الصغيرة والكبيرة: خصاص في الموارد، ضغط الزمن المدرسي، توترات الآباء، أعطاب البنيات، ومزاج السياسات المتقلبة. وحين يشعر هذا الفاعل بأنه مظلوم في مساره المهني، فإن ذلك لا يبقى محصوراً في ملف ترقية، بل ينعكس على مزاج المؤسسة التعليمية كلها.
وقفة الرباط إذن تحمل رسائل متعددة الاتجاهات. رسالتها الأولى إلى الوزارة: أن ملف المتصرفين التربويين ضحايا الترقيات، لم يعد ملفاً تقنياً يمكن احتواؤه ببلاغ أو تأجيل، بل صار ملفاً رمزياً لاختبار مصداقية الخطاب الرسمي حول الإنصاف وتكافؤ الفرص. ورسالتها الثانية إلى النقابات التعليمية: أن الصمت أو التردد في تبني هذا الملف يُقرأ اليوم، بوصفه تخلياً عن فئة تعتبر نفسها في قلب الإدارة التربوية. أما رسالتها الثالثة، فهي موجهة للرأي العام: أن داخل المدرسة العمومية، معارك صامتة لا تقل خطورة عن مشكل الاكتظاظ أو المناهج أو البنيات، لأنها تتعلق بروح من يسير هذه المنظومة.
الوقفة أيضاً تكشف مفارقة مؤلمة: فالمتصرفون التربويون المتضررون لا يطالبون بامتياز إضافي، بل بجبر ضرر، أي بإرجاع الأمور إلى نصابها القانوني والأخلاقي. إنهم يطالبون بالترقية بأثرها الإداري والمالي منذ سنة محددة، وبسنوات اعتبارية أسوة بفئات مماثلة، وباسترجاع اقتطاعات يعتبرونها غير مشروعة، وبالتنفيذ الشامل للأحكام القضائية دون انتقاء أو تمييز. وهي مطالب، في جوهرها، لا تخرج عن منطق العدالة داخل الوظيفة العمومية، لكنها تصطدم بمنطق الكلفة المالية وبطء القرار.
ومن هنا يمكن قراءة الوقفة بوصفها لحظة مفصلية: إما أن تتحول إلى مدخل لحل شامل، يطوي هذا الملف ويعيد الثقة لفئة واسعة داخل الإدارة التربوية، وإما أن تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل الاحتقان، بما يحمله ذلك من مخاطر نفسية ومهنية وتنظيمية. فحين يُدفع موظفون إلى الإحساس بأن حقوقهم “لن تسقط بالتقادم ولا بالنسيان”، فإن ذلك يعني أن المعركة خرجت من منطق الظرفية إلى منطق الاستمرار.
في المحصلة، وقفة اليوم بالرباط، ليست مجرد صورة في نشرة إخبارية، بل علامة على توتر مكتوم داخل جسد المدرسة العمومية. إنها وقفة تُذكّر بأن العدالة الإدارية ليست تفصيلاً تقنياً، بل شرطاً للاستقرار المهني، وأن الإنصاف في الترقية ليس ترفاً وظيفياً، بل اعترافاً رمزياً بقيمة من يحملون على عاتقهم تدبير اليومي المدرسي. وإذا كان التعليم هو رهان الدولة، فإن من يسيرون مؤسساته، هم جزء من هذا الرهان، لا مجرد أرقام في جداول الترقية.




