
ضربة قلم
أولاً: قراءة المشهد العام
هذا الاجتماع الرسمي جمع مستشاري الملك بعددٍ من الوزراء وزعماء الأحزاب السياسية، لمناقشة قضية الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية، وذلك بحضور شخصيات من طراز عبد الإله بنكيران. وتستدعي الصورة المرفقة قراءة سياسية وسوسيولوجية دقيقة لما تحمله من رموز وإيحاءات في تفاصيلها.
الصورة توثّق لحظة من لحظات “الوحدة الرسمية”، حيث يجلس في قاعة واحدة ممثلو مختلف الاتجاهات السياسية، على مائدة واحدة، تحت سقف واحد، وبأجندة واحدة: القضية الوطنية الأولى، الصحراء المغربية.
في مثل هذه الصور، لا تكون الجلسة مجرد اجتماع بروتوكولي، بل عرضًا مصغّرًا لميزان القوى الحقيقي في البلاد: الدولة (بمؤسساتها العليا) في الوسط، والأحزاب كأذرع دعم أو شرعية سياسية تحيط بها من الجانبين.
الوجوه متأهبة، المائدة غنية بالرموز، أكثر مما هي بالطعام: كؤوس الماء المصطفة بعناية، الوثائق المصفوفة أمام كل زعيم، الابتسامات المحسوبة، والنظرات التي توحي بالاحترام أكثر مما توحي بالارتياح.
كل شيء في هذه الصورة يشي بالانضباط، وبأن الرسالة المقصودة هي: القضية الوطنية فوق كل الخلافات.
ثانياً: موقع عبد الإله بنكيران في الصورة
وجود عبد الإله بنكيران هنا له وقع خاص.
فهو، حتى بعد مغادرته رئاسة الحكومة، ما يزال من أكثر الشخصيات التي تُحدث “ضجيجًا سياسيًا” في المشهد الحزبي المغربي. حضوره في مثل هذا الاجتماع يوحي أن الرجل، رغم كل ما دار حوله من جدل سياسي، ما زال يُستدعى عندما يتعلق الأمر بـ”القضايا الكبرى”، أي تلك التي تمثل الإجماع الوطني الحقيقي.
لكن…
إذا تمعّنا في جلسته بين الوزراء ورؤساء الأحزاب، نلاحظ أنه لا يبدو مندمجًا بالكامل في جو الإجتماع الرسمي. في نظراته شيء من التحفظ، وكأنه يقول:
“أنا هنا لأن الوطن يناديني، لا لأن السياسة تصالحني.”
فبنكيران معروف بأنه لا يشارك في الاجتماعات الرمزية لمجرد الحضور، بل لأن فلسفته في السياسة قائمة على المزاوجة بين الولاء والانتقاد. بمعنى آخر: يؤمن بالمؤسسة الملكية كضامن، لكنه لا يتردد في القول إن بعض الاختيارات الحكومية أو العمرانية أو الاجتماعية لا تعبّر بالضرورة عن نبض الشارع.
ثالثاً: كيف ينظر إليه الآخرون في هذا السياق؟
-
بعض الحاضرين قد يرونه صوتاً مختلفاً داخل المنظومة الحزبية، ذلك الذي يفضل بعد الاجتماعات أن يخاطب الناس بلغتهم البسيطة، بعيداً عن الصيغ المتكلسة التي اعتادت عليها البلاغات الرسمية للأحزاب.
-
آخرون ربما يرون فيه رجل دولة سابق يعرف خبايا التدبير، ويستحق احترام الموقع السابق حتى لو اختلفوا معه في الرؤية.
-
بينما المواطن البسيط الذي يرى الصورة في وسائل الإعلام قد يقول:
“ها هو بنكيران، ديما حاضر فالمناسبات الوطنية، ولكن فين هو فالمشاكل اليومية؟”
وهذا السؤال العفوي يلخص مأزق السياسة المغربية: حضور رمزي قوي في القضايا الوطنية، وغياب عملي مؤلم في التفاصيل الاجتماعية.
رابعاً: خلف الصورة، السياسة والرمز
في الصور الرسمية من هذا النوع، لا يجلس أحد في مكانه صدفة.
الترتيب على الطاولة، المسافة بين الكراسي، الزوايا التي تختارها الكاميرا، كلها مدروسة.
لذلك، فإن حضور بنكيران إلى جانب وجوه حزبية من طيف مختلف (ليبراليين، تقدميين، استقلاليين…) يحمل رسالة صامتة مفادها:
“الملف الصحراوي ليس قضية حزب، بل قضية أمة.”
ومع ذلك، يعرف الجميع أن مثل هذه الصور لا تخلو من صراع الوجاهة السياسية: كل زعيم يريد أن يظهر في الكادر، أن يبدو في لحظة الإصغاء، أو في لحظة التوقيع، ليُظهر لجمهوره أنه “قريب من القرار”.
أما بنكيران، فهو غالبًا ما يتعامل مع هذه المناسبات بطريقته الخاصة: يترك الصورة تتكلم، ثم يخرج بعدها ليعطي تصريحًا بطريقته الساخرة التي تُكسر البرتوكول.
لهذا يُقال عنه إنه “لا يتقن فن الصمت الرسمي”، وهذا ما يجعل حضوره في الصور الرسمية دائمًا مادة للنقاش.
خلاصة المشهد
الصورة التي أمامنا، وإن بدت بروتوكولية، تختصر معادلة السياسة المغربية الحديثة:
-
المخزن يمسك بمقود القرار.
-
الأحزاب تمسك بمفاتيح الشرعية الشعبية.
-
بنكيران يمسك بخيط الذاكرة السياسية الساخنة، كمن يريد أن يقول: الإصلاح لا يزال ممكناً إن صدقت النوايا.
حضور بنكيران وسط هذا الجمع هو تذكير بأن الرجل، رغم كل الخلافات، لا يزال جزءًا من “العائلة السياسية الكبرى” التي تلتف حول الثوابت، حتى لو اختلفت حول التفاصيل.




