من “خيرية” إلى “غنيمة”: حين تُنهب أموال الضعفاء باسم الإحسان

ضربة قلم
في مدينة فاس، حيث تختلط السياسة بالمصالح الخفية، تأجلت مرة أخرى فصول واحدة من القضايا التي باتت تُدرّس بصمت في كواليس الفساد الناعم، بعدما قررت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف تأجيل النظر في ملف اختلاس وتبديد أموال الجمعية الخيرية الإسلامية إلى منتصف شتنبر المقبل. ليس مجرد ملف عادي، بل قضية تتشابك فيها المسؤوليات وتتداخل فيها المناصب مع الطموحات القديمة في جمع الغنائم من وراء ستار العمل الخيري.
المتهم الرئيسي، وهو برلماني سابق ما زال يحتفظ بموطئ قدم داخل غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة فاس مكناس، حضر إلى المحكمة إلى جانب شركائه في الاتهام، بينما تتدلى فوق رؤوسهم شبهات ثقيلة، أشبه بغيوم لا تمطر سوى الشكوك: استغلال عقارات الجمعية بدون أداء مقابل، التهرب من فواتير الماء والكهرباء، ثم التلاعب السافر في عائدات محلات تجارية كانت، من المفروض، أن تضمن استدامة المشروع الاجتماعي، لا أن تتحول إلى مصدر دخل سري خاص بمن يفترض أنه “حامي الودائع”.
قاضي التحقيق سبق له أن واجه البرلماني السابق بلائحة اتهامات لا تنقصها الإثارة، أبرزها خيانة الأمانة والتصرف في مداخيل كراء 22 محلاً تجارياً دون وجه حق. هي تهم ثقيلة، لكن المتهم يواصل إنكارها بنبرة واثقة، وكأننا أمام مشهد درامي تتكرر فيه عبارات النفي أكثر من الأدلة.
ما يضاعف من مرارة هذا الملف هو أن الجمعية التي يفترض أن تكون ملاذاً للأرامل واليتامى والمحتاجين، تحولت إلى حقل لتجريب ألاعيب الربح السهل على حساب قيم التضامن والرحمة. المواطنون، بعيونهم التي تعودت على خيبات الأمل، يتابعون القصة كما لو كانت حلقة جديدة من مسلسل طويل عنوانه: “من يسرق الفقراء ولا يخجل؟”
ورغم أن القضية ما تزال في طور المحاكمة، إلا أن ما تسرب منها كافٍ لجعلها رمزاً من رموز الاختلال الأخلاقي في تدبير المال العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بجمعيات يفترض أن تكون ضمير المجتمع، لا مطية للوصول إلى الامتيازات.
هي قصة من نوع خاص، لا تحتاج إلى تأويلات قانونية بقدر ما تحتاج إلى دروس في النزاهة. دروسٌ لا تُلقى في الفصول، بل تُعاش في الممارسة اليومية، في أن يكون المسؤول قدوة لا قناصاً للفرص. وما دام ملف كهذا يتأجل ويتأجل، فربما نحتاج إلى أكثر من محكمة لإعادة الاعتبار لقيمة الثقة التي انهارت تحت ثقل الخيانة.




