من دوار الشحاوطة إلى دهاليز القرار: الحق يتحوّل في السكن والتعليم إلى ضحايا قرارات بلا روح

ضربىة قلم
توصلنا من فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمحمدية ببلاغ إخباري يُنذر بعودة الاحتجاج إلى الواجهة، حيث يعتزم ضحايا الإقصاء والإغفال من ساكنة دوار الشحاوطة تنظيم وقفة احتجاجية يوم الأحد 12 أبريل 2026، ابتداءً من الساعة الخامسة والنصف مساءً، بمكان هدم الدوار، للمطالبة بحقهم في الاستفادة من إعادة الإيواء بتجزئة البدر، أسوة بباقي المستفيدين في إطار برنامج الدولة لإعادة إيواء قاطني دور الصفيح.
البلاغ لم يكتفِ بسرد موعد الاحتجاج، بل حمل في طياته دعوة صريحة لكافة العضوات والأعضاء، بل وكل الضمائر الحية، للحضور والتضامن مع ما وصفه بـ”ضحايا سياسة الهدم والإقصاء والتشريد”، والتشبث بحق دستوري لا يقبل التأويل: الحق في السكن اللائق، باعتباره من الحقوق الأساسية التي يقع على عاتق الدولة ضمانها دون تمييز أو انتقائية.
لكن، وبين هذا النداء الحقوقي الصريح، وسياق اجتماعي يغلي بصمت، تبرز مفارقة صارخة: كيف يمكن لبرامج يُفترض أنها اجتماعية، أن تتحول في نظر المتضررين إلى مصدر للإقصاء؟ وكيف لسياسات عمومية تُرفع تحت شعارات “إعادة الإيواء” و”العدالة المجالية”، أن تُنتج فئات تشعر أنها خارج الحسابات، وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من نفس الجغرافيا أو نفس المعاناة؟
دوار الشحاوطة ليس مجرد نقطة على خريطة، بل قصة تختزل معاناة شريحة واسعة من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الهدم وسندان الانتظار. فالهدم تم بسرعة، لكن إعادة الإيواء لم تكن بنفس الوتيرة، لتبقى فئات عالقة في منطقة رمادية: لا هي داخل لوائح المستفيدين، ولا هي قادرة على استعادة ما فقدته.
وفي خضم هذا المشهد، يطفو سؤال العدالة على السطح:
هل تم اعتماد معايير واضحة وشفافة في تحديد المستفيدين؟
أم أن الأمر خضع لتقديرات إدارية ضيقة، أو ربما لاختلالات أعمق لا يُراد لها أن تُكشف؟
ما يزيد من حدة هذا الاحتقان، هو الإحساس المتنامي لدى المتضررين بأن أصواتهم لا تصل، أو تصل متأخرة، أو تُواجَه بصمت ثقيل. وهنا تحديدًا، تتعاظم أهمية أدوار الجمعيات الحقوقية، وعلى رأسها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي اختارت الاصطفاف إلى جانب المتضررين، ليس فقط من باب التضامن، بل من منطلق مبدئي يعتبر أن الحقوق لا تُجزأ، وأن الكرامة لا تُمنح بالقطارة.
وإذا كان ملف الشحاوطة يعكس أزمة في تدبير الحق في السكن، فإن ما يجري بالتوازي داخل قطاع التعليم، من إعفاءات مفاجئة طالت عددًا من المديرين الإقليميين، يفتح جبهة أخرى لا تقل حساسية. فالقاسم المشترك بين الملفين، رغم اختلاف طبيعتهما، هو غياب الوضوح واهتزاز الثقة.
في التعليم، قرارات إعفاء وُصفت بالتعسفية، اتُّخذت في توقيت دقيق، دون تعليل كافٍ، ودون احترام كامل للمساطر، ما جعلها عرضة للانتقاد والطعن. وفي السكن، إقصاء فئات من الاستفادة، دون تقديم توضيحات مقنعة، يُعيد نفس الشعور: أن القرار يُتخذ في مكان ما، لكن أثره يُلقى على مواطن لا يملك سوى الانتظار أو الاحتجاج.
المشكلة، في جوهرها، ليست فقط في القرار، بل في الطريقة التي يُصنع بها، ويُبرَّر بها، ويُقدَّم بها للرأي العام. لأن المواطن، سواء كان قاطنًا بدوار صفيحي أو إطارًا تربويًا، لم يعد يطلب المستحيل… بل فقط الإنصاف، والوضوح، والاحترام.
إن وقفة الأحد ليست مجرد تجمع احتجاجي عابر، بل رسالة مزدوجة:
رسالة إلى من يهمهم الأمر بأن زمن الصمت قد انتهى،
ورسالة إلى المجتمع بأن قضايا الهامش يمكن أن تتحول، في أي لحظة، إلى مركز الاهتمام.
وفي انتظار ما ستسفر عنه هذه المحطة الاحتجاجية، يبقى الأمل معقودًا على أن تتحول هذه الأصوات إلى فرصة للمراجعة، لا إلى سبب إضافي للتجاهل. لأن الدولة التي تسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، لا يمكنها أن تسمح ببقاء مواطنين خارج معادلة الحقوق.
وفي الأخير، يظل السؤال معلقًا:
هل ستتحول وقفة الشحاوطة إلى بداية إنصاف… أم مجرد رقم جديد في سجل الاحتجاجات؟




