من «دومان» إلى الدوامة: أيت مانة,، علي المرابط، بوبكر الجامعي… وجردة حساب في آخر الطريق

محمد صابر
بدايةً، دعونا نؤكدها بالحروف الكبيرة: لسنا من المخزن ولا نشتغل عنده.
نحن نحمل فقط أقلامنا كما يحمل الفلاح معوله، نحرث في أرض الحقيقة، وإن كانت قاحلة. نعلم أن هناك مواقع وصحفًا مغربية تُموَّل بسخاء، وأن بعضها يعيش على أنفاس الوزارة المعنية بالدعم، لكن ما علاقتنا نحن بهذا “الكرم المؤسسي”؟ لا نطلب الدعم، ولا نعرف طريقه، ولسنا من هواة التسوّل الصحافي. نحن فقط نحكي ما نعرفه، وننفض الغبار عن قصصٍ دفنها الزمن في أرشيف النسيان.
في لحظة من لحظات العفوية والنية الحسنة، قررنا أن نتوقف اليوم عند موضوعٍ حساس، لا لشيء سوى لأنه يشكّل عينةً نادرة من تداخل المال بالصحافة، والسلطة بالمغامرة، والصدفة بالمصالح.
نعود إذًا إلى تلك الحقبة التي كانت فيها الصحافة الورقية لا تزال تتنفس وتُحدث ضجيجًا. كانت بداية مجلة «دومان» الأسبوعية، التي أسسها الصحفي علي المرابط، وهي تجربة حاولت في بدايتها أن تكون شوكة في حلق السلطة، وصوتًا مشاغبًا لا يخشى الاقتراب من الخطوط الحمراء.
في تلك الأيام، اتصل بنا أحد الصحفيين الذي كان يشتغل مع علي المرابط، طالبًا منا ارشيف الجريدة الورقية التي كنا نديرها، والذي كنا نحتفظ به حول قضية رشيد بنحيون، ذاك الاسم الذي اختفى فجأة كما يختفي دخان السيجارة في مهب الريح، بعد أن كانت تربطه علاقة عاطفية مع أخت هشام أيت مانة
اختفاء بنحيون كان أشبه بطلقة في الظلام، دوّى صداه في الرباط والدار البيضاء، حتى قامت الدنيا ولم تقعد.
أخته بوشرة، الطبيبة المعروفة في العاصمة، كانت أول من رفع راية الغضب، ثم خمد صوتها فجأة كما خمدت القضية. لا نعلم إن كان الصمت جاء بأمر أو بصفقة، لكن المؤكد أن الأمر لم يكن صدفة.
سلّمنا إذًا نسخ الأرشيف لذلك الزميل الصحافي، الذي وعدنا بأن الهدف نبيل، وأن المادة ستُوظف في إطار مهني. لم نكن نعلم أن الطريق ستقوده إلى «ماغزين دومان» نفسها، وأن هشام أيت مانة سيظهر فجأة كمساهم في المجلة الأسبوعية العجيبة تلك، بعد أن كانت على حافة الإفلاس.
ولم يكن وحده، بل انضم إليه أيضًا مصطفى الباكوري، الذي كان وقتها يشتغل في بنك الـ«بيمسي»، وشارك بمبلغ “متواضع” قدره عشرة ملايين سنتيم، رقم يبدو بسيطًا لكنه يفتح أبوابًا كثيرة حين يكون صاحبه طموحًا.
مرّت الأيام، وبدأت الرياح تتغير. لم يكن المخزن راضيًا عن الخط التحريري ل «دومان»، فاشتغلت “عبقرية” المخزن المعهودة: تم الاتصال بالمساهمين “النجباء”، ودُعي كلٌّ منهم إلى “التفكير بعقلانية” في مصلحته. الرسالة كانت واضحة، والنتيجة كانت أسرع من المتوقع: انسحب أيت مانة، وخرج الباكوري، وسقط الغطاء المالي.
حينها، أدرك علي المرابط أن المعركة ليست متكافئة، وأن الحبر مهما كان غزيرًا لا يقف في وجه المال. فرفع الراية البيضاء، وأوقف المجلة رغماً عنه. لم يعد هناك تمويل ولا سند، وبقي هو وحلمه، على رصيف الصحافة المنكوبة.
لكن المسرحية لم تنتهِ هنا.
الزميل الذي طلب الأرشيف من البداية، كاد يخرج “حيص بيص” حين اصطدمت مصالحه بمصالح المرابط، فاختار طريق الابتزاز. اتّهم المرابط بتحرشٍ جنسي، فاستفاد من مستحقاته المادية وغادر المشهد مرفوع الرأس. هكذا تُحَلّ الملفات في بعض الكواليس: لا محكمة ولا حكم، فقط توازنات ومقايضات.
أما عن صحيفة بوبكر الجامعي، فقد تكرّر السيناريو نفسه. المخزن، بطريقته الهادئة والماكرة، لم يحتاج إلى إغلاق الجريدة بقرار إداري. كل ما فعله أنه حثّ الصحفيين العاملين معه على “التخلي” عنه. والباقي كان سهلاً.
تساقط الصحافيون واحدًا تلو الآخر كما تتساقط أوراق الخريف، حتى لم يبقَ معه سوى قلة قليلة، تُعدّ على أصابع اليد الواحدة.
لكن المضحك المبكي أن أحد الذين بقوا إلى آخر لحظة، بعد أن ذاق طعم العزلة واليأس، عرض نفسه للبيع أمام المخزن، تمامًا كما يفعل تاجر يائس في سوقٍ راكدة. غير أن المخزن، بطريقته المعهودة، كان له رأي آخر: «من يبيع نفسه متأخراً، لا يُشترى أبداً».
القصة ليست عن المرابط أو الجامعي أو أيت مانة أو الباكوري. القصة عن الصحافة المغربية حين كانت ميداناً، قبل أن تُصبح ورشاً لتصفية الحسابات أو واجهة للاستثمار السياسي.
هي قصة جيلٍ آمن أن الكلمة يمكن أن تغيّر الواقع، قبل أن يكتشف أن الواقع أقوى من الحبر.
هي أيضاً شهادة على زمنٍ كانت فيه الجرائد تموت لأنها قالت ما لا يعجب، لا لأنها فقدت المعلنين.
وفي الختام، نقولها بمرارة ساخرة:
في المغرب، حين يمد المخزن يده إلى الصحافة، لا يفعل ذلك ليمسح عنها الغبار، بل ليتأكد أنها لن تطير.




