من شهادة مشبوهة إلى سقوط شبكة كاملة.. أحكام ثقيلة تطيح بأباطرة تزوير الباكالوريا

ضربة قلم
لم تكن مجرد وثائق مزورة عُثر عليها صدفة، بل كانت خيوط قضية، كشفت عن شبكة متشعبة حولت شهادات الباكالوريا والوثائق الإدارية، إلى تجارة مربحة تستهدف الباحثين عن اختصار الطريق نحو الوظيفة أو تحسين الوضعية المهنية. وبعد أشهر من البحث والتحقيق، أصدرت محكمة الاستئناف بالرباط، أحكاماً صارمة في هذا الملف، قضت بسجن المتهم الرئيسي لمدة 14 سنة نافذة، فيما نال شريكه 6 سنوات سجناً نافذاً، لتصل العقوبات مجتمعة إلى عشرين سنة سجناً.
وتعود بداية القضية إلى تدخل لعناصر الدرك الملكي ببوقنادل، بعدما أثارت شهادة مشكوك في صحتها، انتباه مصلحة تصحيح الإمضاءات بالجماعة. فبدل أن تمر الوثيقة مرور الكرام، تم إشعار السلطات المختصة، التي فتحت تحقيقاً معمقاً، قاد إلى كشف ما كان يجري في الخفاء.
ومع تقدم الأبحاث، بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً. فالتحريات قادت إلى منزل المتهم الرئيسي بمدينة القنيطرة، حيث تم حجز كمية كبيرة من الوثائق والشهادات المزورة الجاهزة للاستعمال. ومن بين المحجوزات شواهد للبكالوريا، وشهادات طبية موقعة على بياض، وعقود زواج مزورة، إضافة إلى شهادات مهنية، موجهة أساساً للراغبين في الولوج إلى سوق الشغل، بالمناطق الصناعية بالقنيطرة وبوقنادل.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ أسفرت عملية التفتيش عن حجز معدات إلكترونية متطورة، من بينها حاسوب استُخدم في إعداد الوثائق المزورة، وتقليد الأختام والتوقيعات الرسمية، فضلاً عن إعادة إنتاج الهويات البصرية لمؤسسات وإدارات عمومية، في محاولة لجعل الوثائق تبدو أصلية إلى درجة، يصعب معها اكتشاف التزوير للوهلة الأولى.
وخلال مراحل التحقيق، اعترف المتهم الرئيسي باستعمال هذه الوسائل لإعداد وبيع الوثائق المزورة، مقابل مبالغ مالية متفاوتة، مستهدفاً أشخاصاً يبحثون عن فرص عمل أو وضعيات إدارية أفضل، دون المرور عبر المساطر القانونية المعمول بها. كما أقر بإنجاز عقد زواج مزور لفائدة أحد الأشخاص مقابل مبلغ مالي، وهو ما وسع دائرة المتابعة، لتشمل أفعالاً أخرى مرتبطة بالتزوير واستعماله.
القضية أعادت إلى الواجهة النقاش حول خطورة شبكات تزوير الشهادات والوثائق الرسمية، ليس فقط لأنها تخالف القانون، بل لأنها تضرب مبدأ الاستحقاق في الصميم. فحين يحصل شخص على وظيفة أو امتياز اعتماداً على وثيقة مزيفة، يكون ذلك على حساب مواطن آخر قضى سنوات من الدراسة والتكوين والعمل الجاد.
وفي منطوق حكمها، أمرت المحكمة بإتلاف جميع الوثائق المزورة المحجوزة، بما فيها الشهادة التي كانت الشرارة الأولى لكشف القضية، والتي أثارت شكوك الموظف المكلف بتصحيح الإمضاءات، ليقود يقظه المهني إلى تفكيك شبكة كاملة، كانت تنشط في الظل.
وهكذا انتهت رحلة المتاجرة بالأحلام المزيفة، من مكاتب التزوير وأجهزة الحاسوب إلى قاعات المحاكم، حيث تحولت الوثائق التي كانت تفتح الأبواب، أمام الزبائن إلى أدلة دامغة، قادت أصحابها إلى أحكام ثقيلة، في رسالة واضحة مفادها أن تزوير الشهادات، قد يحقق مكاسب سريعة، لكنه غالباً ما ينتهي بخسائر أكبر بكثير، مما يتوقع أصحابها.




