مجتمع
من صخب الفرح بفوز المنتخب المغربي إلى فاجعة الطريق: حادث سير مروع يقلب احتفالات طنجة إلى مأساة

ضربة قلم
ترتبط كرة القدم في وجداننا كمغاربة، بجرعات مكثفة من الأدرينالين، ومشاعر الفخر الجماعي التي توحد القلوب خلف راية الوطن. عندما يطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوز أسود الأطلس، تنفجر الشوارع طاقة وبشرًا، وتتحول الأزقة إلى مسارح مفتوحة للاحتفال. لكن، ويا للأسف، كثيراً ما يتربص خلف هذا الستار الاحتفالي المبهج، وحش كاسر يقتات على غياب الوعي؛ وحش السرعة المفرطة والطيش على الطرقات.
ما شهدته مدينة طنجة ليلة الأربعاء-الخميس، لم يكن مجرد حادث سير عابر بين سيارتين أسفر عن ستة جرحى؛ بل هو جرس إنذار مدوٍّ يسائل وعينا الجماعي حول مفهوم “الاحتفال”. كيف يمكن لانتصار رياضي، غايته إدخال البهجة إلى البيوت، أن يتحول في أجزاء من الثانية، إلى مأساة تدمي قلوب عائلات، وتقود شباباً في مقتدر العمر إلى أسرّة المستعجلات؟
إن ظاهرة القيادة الجنونية واستعراض السيارات والدراجات النارية عقب الانتصارات الكروية، تحولت في السنوات الأخيرة إلى سلوك مرضي يتكرر في جل مدننا. تتحول الطرقات الرئيسية، كطريق طنجة البالية، من شرايين للحياة والتنقل الآمن إلى حلبات سباق عشوائية، تغيب فيها أدنى معايير السلامة. وتحت تأثير نشوة الفوز الصاخبة، يتوهم بعض السائقين أن الشارع ملك لهم وحدهم، فيضغطون على دواسات السرعة، دون أدنى اكتراث لعلامات المرور أو لوجود مستعملي طريق آخرين، قد يكونون آباءً، أو أمهات، أو أطفالاً يبحثون فقط عن العودة الآمنة إلى منازلهم.
السرعة أثناء الاحتفالات، ليست تعبيراً عن الفرح، بل هي استهتار صريح بالحياة الإنسانية. إن خلط مشاعر الابتهاج بالطيش المروري، هو وصفة كارثية تنتج حطاماً ودماءً وعاهات مستديمة. الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى زئير المحركات المرعب، ولا إلى التجاوزات المعيبة التي تزرع الرعب في نفوس المارة. الاحتفال الحضاري، هو ذلك الذي يبدأ بابتسامة وينتهي بعناق، لا ذلك الذي ينطلق بهتاف النصر، وينتهي بصوت سيارات الإسعاف وأنين الضحايا في غرف العناية المركزة.
إن المسؤولية اليوم مشتركة؛ ولا تقتصر فقط على تفعيل العقوبات القانونية والزجر الأمني، من طرف السلطات المختصة، بل تمتد لتشمل الأسرة، والمجتمع المدني، والشباب أنفسهم. يجب أن نرسخ ثقافة “الاحتفال المسؤول”، وأن ندرك أن السلامة الجسدية، هي أسمى ما نملك. إن فوز المنتخب الوطني يكون أجمل وأبهى، عندما نعود جميعاً إلى بيوتنا سالمين، لنواصل الفرح في الغد، دون أن نترك وراءنا، دماءً على الأسفلت أو دموعاً، تنهمر حزناً على غياب الوعي.




