من صفقات التعليم إلى سؤال النزاهة: لماذا لا يُفحص المرشحون للمناصب الحساسة قبل وقوع الفضائح؟

ضربة قلم
قررت قاضية التحقيق المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط، إغلاق الحدود في وجه المديرة السابقة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الرباط، التيجانية فرتات، رفقة مسؤولين بالأكاديمية، وصاحب شركة وزوجته، على خلفية الاشتباه في تلاعبات همّت صفقات مرتبطة بالبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، الذي رُصدت له اعتمادات مالية ضخمة بلغت 43 مليار درهم.
وجاء هذا القرار، بعد انتهاء أبحاث الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وإحالة المعنيين على الوكيل العام للملك، الذي التمس فتح تحقيق من أجل جناية اختلاس وتبديد أموال عمومية. كما تقرر الحجز على الممتلكات والحسابات البنكية، في حدود المبالغ المشتبه في اختلاسها، مع متابعة المتهمين، في حالة سراح وتحديد جلسات الاستنطاق التفصيلي.
ويُعد هذا الملف، امتداداً لسلسلة من القضايا المرتبطة بصفقات البرنامج الاستعجالي، التي فجّرتها تسجيلات صوتية وتقارير للمجلس الأعلى للحسابات، كشفت اختلالات جسيمة في إعداد الصفقات، وخرقاً لقواعد المنافسة، وتواطؤاً مع شركتين استحوذتا على أغلب الطلبيات، إضافة إلى تسليم تجهيزات مغشوشة، وغير مطابقة للمواصفات، وإغراق المؤسسات التعليمية بمعدات عديمة الجدوى.
وقد همّت الأبحاث عدداً كبيراً من الأكاديميات الجهوية، وفق التقسيم القديم، وأسفرت عن متابعة مئات الأشخاص، صدرت في حق بعضهم أحكام سجنية، بينما لا تزال ملفات أخرى قيد التحقيق أو المحاكمة.
لكن الأهم من تفاصيل الملف القضائي هو الدرس السياسي والمؤسساتي الذي ينبغي استخلاصه.
فهذا النوع من القضايا لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه انحرافاً فردياً، بل باعتباره خللاً بنيوياً، في طريقة تدبير المناصب الحساسة وتفويض السلطة العمومية، دون آليات وقاية مسبقة.
إن منطق المحاسبة بعد وقوع الضرر، رغم ضرورته، يظل علاجاً متأخراً، فيما الرهان الحقيقي، ينبغي أن يكون على الوقاية قبل التعيين، لا بعد تفجر الفضائح. وهو ما يطرح بإلحاح فكرة إخضاع جميع المرشحين للمناصب الحساسة، لاختبارات صارمة لا تقتصر على الكفاءة التقنية، بل تشمل النزاهة المالية، والمسار الأخلاقي ونمط العيش.
فإذا كان من المطلوب أن تكون “أيدي المسؤولين نظيفة”، فمن الضروري أيضاً أن تكون “بطونهم غير زرقاء”، أي أن يكون وضعهم المالي، منسجماً مع دخلهم القانوني، حتى لا تتحول الوظيفة العمومية، إلى وسيلة للإثراء غير المشروع. وهذا يقتضي تفعيل آليات استباقية من قبيل:
-
الافتحاص المسبق للوضعية المالية للمرشحين للمناصب العليا،
-
وربط التعيين بالتصريح بالممتلكات والمراقبة الدورية لها،
-
وإخضاع المسؤولين لتقييم أخلاقي، إلى جانب التقييم الإداري.
فالوقاية، في هذا السياق، ليست شعاراً أخلاقياً، بل سياسة عمومية، يجب أن تُقنّن وتُعمّم، لأن المال العام، لا يحتمل منطق التجربة والخطأ. وكل فضيحة مالية جديدة، تؤكد أن الثقة في الأشخاص وحدها لا تكفي، وأن المؤسسات لا تُبنى على حسن النيات، بل على قواعد صارمة تمنع الانحراف قبل وقوعه.
وبذلك، يتحول ملف البرنامج الاستعجالي، من مجرد قضية قضائية ،إلى مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري:
هل نريد دولة تطارد الفساد بعد استفحاله، أم دولة تمنعه قبل أن يولد؟




