الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

من ظلال الحدائق إلى كراسي الأحزاب… شهادة عليا في النكران

ضربة قلم

في كل زمن، هناك كائنات تتغذّى على السذاجة البشرية، تكبر بأخطائنا لا بقدراتها، وتصعد درجات السياسة والاجتماع على أكتاف من صدّقوا أن العطف فضيلة تصلح للجميع. تلك الكائنات لا تحتاج إلى عبقرية ولا إلى علم ولا حتى إلى تجربة؛ يكفيها أن تجيد دور “المسكين” في البداية، ثم دور “المُنقذ” في النهاية، وبين الدورين تنقلب القصة من مأساة إنسانية إلى كوميديا سياسية رديئة.

خذوا مثالا على ذلك: ذلك القارئ البسيط الذي كان يتسكع في حدائق الدار البيضاء، يقاسم الليل مع البرد والكلاب الضالة. لم يكن يملك سقفًا غير الغيم، ولا وسادة غير العشب المبلل. كنا نظنه ابن القدر المظلوم، فنمدّ له يدًا فيها دفء ورغيف، وربما كلمة طيبة. لكننا، في لحظة طيبة زائدة، نسينا أن البؤس ليس دومًا ضمانة للنقاء. وهنا كانت البداية: بداية قصة جاحد بشهادة عليا في النكران.

سرعان ما وجد لنفسه مكانًا في مؤسسة حزبية “كبيرة بالاسم، صغيرة بالفعل”. ما إن جلس على كرسي بلاستيكي في قاعة باردة حتى تغيّر صوته، ونبرة وجهه، وحتى طريقة مشيته. صار يوزّع التجهم كأنه عملة رسمية، ويتحدث بلسانٍ فظٍّ عن قيم لا يعرفها. حصل على مشروع للتواصل المؤسساتي، وهو لا يعرف من التواصل إلا كيف يهز رأسه مثل المصفقين في مهرجانات الزيف.

والجاحد، يا سادة، لا يكتفي بإنكار الجميل. إنه يحوّل ما أعطي له إلى سلاح ضد من منحه. يشرب ماءك، ثم يرشقه في وجهك حامضًا. يأكل من كسرتك، ثم يبصق عليك جوعًا. يبتلع دفئك، ثم يردّه عليك ثلجًا باردًا. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام كائن غريب: رجل لم يعرف الوفاء إلا كحروف على الورق، لكنه صار يتحدث عنه كأنه مخترعه الأول.

الأدهى من كل ذلك أنه أقنع نفسه بأنه تغيّر. والحقيقة أنه لم يتغيّر في شيء. كل ما تغيّر هو الغلاف: بدل العشب المبلل صار يجلس على كرسي حزبي، وبدل الغيوم صار سقفه لافتة سياسية، وبدل الكلاب الضالة صار يرافقه زمرة من المصفقين الذين يعبدون الوهم. أما هو، فبقي كما كان: جاحدًا متعفن القلب، يبيع الخطب الرنانة لمن هم أوهن منه.

لكن السؤال الحقيقي ليس عنه، بل عنا نحن. لماذا نكرر نفس الأخطاء؟ كم مرة احتضنّا غريبًا باسم التضامن، فإذا به يغدرنا بخنجر نكران؟ كم مرة جلسنا إلى ناكر الجميل كأنه طفل ضائع، فإذا به يستيقظ وحشًا ينهش ما تبقى فينا؟ لماذا لا نفهم أن الجحود مدرسة قاسية، خريجوها لا يبتسمون إلا كي ينهشوا؟

اليوم نراه يتقدّم المنصات، يتحدث عن النقاء والوفاء، بينما أصابعه لا تزال ملطخة بجراح الذين صنعوا له الطريق. نراه يتبجّح بكونه “ابن الشعب”، بينما الحقيقة أنه ابن الجحود، خريج مدرسة “الجميل المبتور”. ومن يصفقون له اليوم سيكتشفون غدًا أن الذئب لا يصبح حملاً بمجرد أن يغيّر جلده، وأن الورق المقوى لا يصير صلبًا مهما تلون.

في النهاية، ربما علينا أن نعترف: نحن الذين صنعنا الوحش. نحن الذين سقيناه من ماءنا حتى ارتوى، ثم تركناه يزرع فينا السم. نحن الذين صدّقنا أن الرحمة دواء لكل الأرواح، بينما بعض الأرواح لا تشفى إلا بالجفاء. ومن هنا تبدأ العبرة: لا يكفي أن يكون المرء مظلومًا حتى يكون طيبًا، ولا يكفي أن يرتدي بذلة حتى يصبح رجلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.