من عام “البون” إلى زمن “الصندوق العجيب”: المواطن ما زال ينتظر حقه في العلاج

ضربة قلم
صادق مجلس المستشارين بالأغلبية على مشروع القانون رقم 54.23، الذي يُعدّل ويُتمم القانون 65.00 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض. خطوة جديدة على الورق في مسار طويل ومتشعب اسمه “الحماية الاجتماعية”، أما على الأرض، فالحكاية مختلفة تمامًا: طوابير طويلة، ووكالات نادرة، ومساطر تعجيزية تذكّرنا بعام “البون”، حيث كان المواطن يصطفّ من الفجر كي ينال حقه في كيس دقيق أو لتر زيت.
اليوم، وفي زمن يقال إنه رقمي وتقدمي، ما تزال وكالات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الموكول إليها الإشراف على هذا النظام الجديد، قليلة حدّ الإحراج. مدن بأكملها لا تتوفر إلا على وكالة واحدة، وأحيانًا لا تتوفر أصلًا، مما يدفع المواطنين إلى التنقل بين الأقاليم والولايات وكأنهم يطلبون صدقة، لا حقهم في التغطية الصحية. كل هذا في وقت يُروّج فيه أن المغرب على وشك بلوغ تعميم الحماية الاجتماعية، وأن المشاريع تسير على قدم وساق.
القانون الجديد يعد بحذف النظام الخاص بتغطية الطلبة، مع تمديد سن الاستفادة إلى 30 سنة بدل 26، لكنه لا يوضح كيف سيتم ضمان فعالية التغطية في غياب آليات حقيقية للمواكبة. كما يحاول تنظيم شروط الاستفادة من نظام “أمو تضامن”، لكن الحقيقة أن هذه الشروط غالبًا ما تكون أعقد من معاناة من تُوجَّه إليهم هذه البرامج، وكأن الدولة تقول لهم: “سنغطي علاجك فقط إن أثبتَ بطرق ملتوية أنك معدم تمامًا”.
كما يَعِد النص بتوحيد تدبير التغطية الصحية تحت راية واحدة، وهو وعد لا يعني الكثير ما دامت الوكالات قليلة جدا أو غير موجودة، والرقمنة تعاني من “الشبة”، والمواطن الغارق في همّ المرض يُطلب منه أن يملأ مطبوعات أكثر مما يملأ صيدليته بالأدوية. ثم نُبشِّر الناس بـ”إصلاح شامل”، وكأننا نعيش في بلد آخر غير ذاك الذي تُطلب فيه شهادة الحياة لتجديد بطاقة علاج لمريض طريح الفراش.
الواقع المؤلم أن المغاربة لا يثقون في هذه الأنظمة، ليس لأنهم سلبيون بطبعهم، ولكن لأن تجاربهم معها كانت قاسية. فكم من مريض فقد حياته بسبب تأخير في الموافقة على ملف، وكم من عائلة اضطرت إلى الديون بسبب دواء غير معوَّض، وكم من ملف اختفى بين رفوف الإدارات دون أثر ولا نتيجة.
المصادقة على القوانين جميلة في البلاغات الرسمية، لكن المغاربة يحتاجون إلى تغطية صحية تُطبَّق، لا تُعلَّق على الجدران. يحتاجون إلى وكالة قريبة، إلى موظف يشرح لا يصرخ، إلى نظام إلكتروني لا ينهار كلما ضغط عليه مواطن يبحث عن بصيص أمل. التغطية الصحية ليست حلمًا، بل حق لا يجب أن يكون مؤجلًا إلى أن تتحسن الظروف، أو تنتهي الطوابير، أو تُبنى وكالة جديدة بعد عقدين.
ربما آن الأوان لأن نعترف: الإصلاح ليس شعارًا، بل كرامة ملموسة، تُقاس بعدد من استطاع أن يداوي ابنه دون إذلال، لا بعدد التعديلات التي تُدرج في مشروع قانون.





Earn passive income on autopilot—become our affiliate! https://shorturl.fm/i76r0