الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

من «عام البون» إلى «عام التصويت».. حين يُطلب من الصحافي أن ينتخب وهو يتصبب عرقاً!

محمد صابر

كنا صغاراً، وكانت جداتنا وأجدادنا يحكون لنا عن «عام البون»، ذلك العام الأسود، الذي التصق بالذاكرة المغربية، بسبب المجاعة ونقص المواد الأساسية، حين كان الحصول على القوت يحتاج إلى قسيمة، وإلى انتظار، وإلى طابور، وإلى كثير من الصبر.

كان المغربي آنذاك يقف في الصف، بحثاً عن شيء يأكله.

أما اليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانية عقود، فقد اكتشفنا أن هناك طابوراً آخر، ولكن هذه المرة ليس من أجل الدقيق ولا السكر ولا الزيت…

بل من أجل ممارسة حق الصحافي في التصويت!

والفرق الوحيد أن المغربي في «عام البون» كان ينتظر المعونة وهو جائع، أما الصحافي اليوم، فينتظر التصويت وهو يتصبب عرقاً!

يا لها من قفزة حضارية!

من «البون» إلى «X»!

من قسيمة الخبز إلى ورقة الاقتراع!

ومن الطوابير أمام مراكز التموين، إلى طوابير الصحافيين أمام المصعد!

والأجمل من ذلك كله أن هذه الحكاية، لم تأت من كتاب تاريخ، وإنما عشنا فصلها هذا اليوم، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، في انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة، بمقر التصويت التابع لجهة الدار البيضاء-سطات.

والعنوان؟

42 شارع الجيش الملكي بالدار البيضاء.

ليس هذا العنوان من نسج الخيال، بل هو العنوان الذي حدده القرار التنظيمي رقم 03/2026 رسمياً كمقر لمكتب التصويت الخاص بجهة الدار البيضاء-سطات. والاقتراع محدد من التاسعة صباحاً إلى السادسة مساءً.

وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق، بصراحة، أن تدخل أرشيف طرائف الممارسة المهنية في المغرب.

وصلنا إلى العنوان.

ركبنا المصعد الإلكتروني.

وإذا بالصحافي، صاحب القلم، وصاحب المهنة التي يُقال لنا دائماً، إنها مهنة نبيلة، يجد نفسه في تجربة تحتاج إلى رئة رياضية ولياقة بدنية، أكثر مما تحتاج إلى بطاقة صحافة!

منذ البداية، كانت هناك رائحة خانقة، كما عاينّاها وشعرنا بها، إلى درجة أن الإنسان يتساءل:

هل جئنا لنمارس حقنا الانتخابي، أم جئنا لاجتياز اختبار للبقاء على قيد الحياة؟

ولا أريد أن أظلم أحداً، ولا أن أتهم جهة بعينها، ولا أن أحول ملاحظة شخصية، إلى حكم على المكان كله.

لكن السؤال البسيط هو:

هل يعقل أن يُستقبل الصحافي، يوم انتخاب ممثليه في مؤسسة يفترض أنها تجسد التنظيم الذاتي لمهنته، في ظروف تجعله يبحث عن الهواء قبل أن يبحث عن ورقة التصويت؟

هنا، اسمحوا لي أن أعود قليلاً إلى عام البون.

ذلك العام لم يكن مجرد سنة عابرة في الذاكرة المغربية. فقد ارتبط بالمجاعة والتقنين وقسائم التموين، وبلغت الأزمة ذروتها في 1944 و1945، في سياق الجفاف وظروف الحرب العالمية الثانية، وسياسات الحماية الفرنسية في تدبير المواد الغذائية. ولهذا بقي «البون» في الذاكرة الشعبية رمزاً للطوابير والانتظار والحرمان.

لكن يبدو أننا، بعد كل هذه السنوات، لم نتخلص تماماً من فلسفة الطابور.

فقط تغيرت السلعة!

في السابق كان المواطن ينتظر نصيبه من المواد الغذائية.

واليوم ينتظر الصحافي نصيبه من الهواء!

وبالأمس كانت القسيمة تقول لك:
«انتظر دورك للحصول على ما يسد رمقك».

واليوم يبدو أن المشهد يقول للصحافي:

«انتظر دورك للحصول على حقك في التصويت… وإذا اختنقت، فهذه مسؤوليتك!»

وهنا المفارقة التي تستحق الوقوف عندها.

اللجنة المؤقتة المكلفة بتدبير انتخابات المجلس الوطني للصحافة، كتبت في قرارها التنظيمي كلاماً جميلاً جداً عن كرامة المهنة ومكانة الصحافي، والنزاهة والحياد والاستقلالية والتنافس الشريف، والشفافية وتكافؤ الفرص.

ونحن لا نختلف مع حرف واحد من هذه المبادئ.

بالعكس.

نحن نريدها كاملة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:

أين تبدأ كرامة الصحافي؟

هل تبدأ عندما يدخل المعزل ويضع علامة «X»؟

أم تبدأ قبل ذلك، منذ لحظة وصوله إلى مكتب التصويت؟

لأن الكرامة، ليست ورقة انتخابية فقط.

الكرامة هي أيضاً أن يجد الصحافي مكاناً لائقاً، منظماً، مهوّى، واضحاً، محترماً، يليق بمهنة يفترض أن الدولة والمجتمع، يريدان لها أن تكون مستقلة ومحترمة.

وإذا كان هذا الأمر مبالغاً فيه، فدعونا نطرح السؤال بطريقة أخرى:

هل كان من المستحيل العثور في الدار البيضاء على مقر أكثر ملاءمة لاستقبال الصحافيين في يوم انتخابي مهني؟

الدار البيضاء ليست قرية نائية.

وليست هناك أزمة عقار إلى درجة أن الصحافيين، أصبحوا مضطرين إلى البحث عن مكتب اقتراع، في أي مكان كيفما كان.

هذه مدينة كبرى.

وفيها مؤسسات عمومية.

وفيها إدارات.

وفيها جامعات.

وفيها قاعات ومراكز ومقرات قادرة، على استقبال انتخابات مهنية بهذا الحجم.

فلماذا هذا الاختيار بالذات؟

ثم هناك سؤال آخر أكثر إحراجاً:

من كان موجوداً هناك ليتأكد من أن ظروف الاستقبال تليق بالصحافي؟

لأن القرار التنظيمي نفسه، يقول إن مكتب التصويت مسؤول عن ضمان السير المنتظم للعملية، وحفظ النظام وضمان سرية التصويت، وحرية اختيار الناخبين.

جميل جداً.

ولكن ماذا عن حرية التنفس؟

هل تحتاج هي الأخرى إلى مادة في القانون؟

ربما في الانتخابات المقبلة، علينا أن نقترح إضافة بند جديد:

«يضمن للناخب الصحافي، قبل الإدلاء بصوته، الحد الأدنى من الأوكسجين الضروري لاستكمال العملية الانتخابية.»

وبالمناسبة، لا أحد يطالب بالسجاد الأحمر.

ولا نريد فرقة موسيقية عند المدخل.

ولا نريد القهوة والحلويات.

ولا نريد أن يُستقبل الصحافي كما يُستقبل وزير في حفل رسمي.

نريد فقط شيئاً بسيطاً جداً:

مكاناً محترماً يليق بصحافيين جاؤوا لممارسة حقهم المهني.

وهنا أقولها بصراحة أكبر:

المشكلة ليست فقط في العنوان.

المشكلة في العقلية التي يمكن أن تجعلنا نتعامل مع الصحافي وكأنه مواطن درجة ثانية عندما يتعلق الأمر بحقوقه المهنية، ثم نطالبه في اليوم التالي بأن يدافع عن كرامة المؤسسات وعن أخلاقيات المهنة وعن استقلالية الصحافة.

لا يمكن أن نطالب الصحافي بأن يكون مستقلاً وقوياً ونزيهاً، ثم نضعه في ظروف تجعله يقول في قرارة نفسه:

«المهم نصوّت ونخرج سالمين!»

والأغرب أن أحداً لم يحتج بما يكفي.

وهذه ربما هي النقطة الأكثر إيلاماً.

لماذا لم يقف أحد ويقول:

لحظة! نحن صحافيون، ولسنا في طابور عام البون!

لماذا لم يسأل أحد:

أين التنظيم؟

أين التهوية؟

أين ظروف الاستقبال؟

أين احترام المهنة؟

أين كرامة الصحافي؟

هل أصبح الصحافي المغربي معتاداً إلى هذه الدرجة على تحمل كل شيء، حتى صار يرى الإهانة المهنية مجرد «تفصيل صغير» لا يستحق الاحتجاج؟

وهذه، في نظري، أخطر من الرائحة نفسها.

لأن الرائحة تزول بفتح نافذة.

أما رائحة الاعتياد على الرداءة، فتحتاج إلى ثورة مهنية كاملة!

ثم لنكن واضحين في نقطة أخرى.

المجلس الوطني للصحافة ليس جمعية رياضية، لا يهم إن انعقد اجتماعها في قاعة ضيقة أو واسعة.

إنه مؤسسة مرتبطة بتنظيم المهنة، والدفاع عن أخلاقياتها ومصداقيتها، والقانون الجديد جعل تمثيل الصحافيين المهنيين داخل المجلس سبعة أعضاء منتخبين من هيئتهم الناخبة، ضمن مجلس يتكون إجمالاً من 19 عضواً.

وهؤلاء السبعة الذين سيصلون إلى المجلس، ليسوا مجرد أسماء ستوضع على لائحة.

إنهم، نظرياً على الأقل، صوت الصحافيين داخل المؤسسة التي يفترض أن تدافع عن استقلالية المهنة وتنظيمها.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:

من سيفوز؟

بل:

من يستحق أن يفوز؟

نحن لا نحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يربحون من الصحافة فقط.

نحتاج إلى صحافيين يعرفون لماذا يمارسون الصحافة أصلاً.

هناك فرق شاسع بين من جعل الصحافة وسيلة للعيش فقط، وبين من عاش الصحافة باعتبارها مهنة ورسالة ومسؤولية وقلماً وموقفاً.

والصحافة ليست دفتر شيكات.

وليست باباً للامتيازات.

وليست سلماً للنفوذ.

وليست بطاقة عبور إلى الصالونات.

وليست مشروعاً تجارياً، ينجح صاحبه في جمع المال ثم يكتشف، في آخر الطريق، أنه أصبح «مناضلاً مهنياً»!

لا.

المجلس الوطني للصحافة يحتاج إلى مناضلين حقيقيين من أجل المهنة.

إلى من يعرفون غرفة الأخبار كما يعرفون الشارع.

إلى من كتبوا في الأوقات السهلة والصعبة.

إلى من تحملوا تبعات الموقف.

إلى من يعرفون أن الصحافة، ليست فقط توقيعاً أسفل مقال، وإنما مسؤولية أمام القارئ والمجتمع والتاريخ.

والأهم:

إلى من لا يعتبرون الصحافة موسماً انتخابياً يظهر كل بضع سنوات!

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمهنة، هو أن يتحول المجلس الوطني للصحافة، إلى محطة يتنافس فيها البعض على المواقع، بينما يبقى الصحافي الحقيقي في الخارج، يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يتنفس!

وهنا ربما علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً ساخراً جداً:

هل نحن بصدد انتخاب ممثلي الصحافيين، أم بصدد اختبار قدرة الصحافيين على تحمل الظروف؟

إذا كان الثاني، فأبشروا!

النتيجة مضمونة.

الصحافي المغربي صبور.

يتحمل.

ينتظر.

يكتب.

ينتقد.

ثم يعود في اليوم التالي إلى عمله.

لكن لا ينبغي، أن نستغل هذه القدرة الأسطورية على التحمل!

فالصحافي ليس حيواناً أليفاً، يتكيف مع كل الظروف.

والصحافة، ليست مهنة هامشية، حتى يوضع أصحابها في أي مكان ثم يقال لهم:

«دبّروا راسكم… المهم الانتخابات دازت!»

لا يا سادة.

المهم كيف دازت.

لأن الوسيلة جزء من الرسالة.

وإذا كانت أول انتخابات لممثلي الصحافيين المهنيين في ظل القانون الجديد، تريد أن تقدم نفسها باعتبارها محطة لترسيخ الممارسة الديمقراطية داخل الجسم المهني، وتعزيز الثقة في مؤسساته، كما يقول القرار الرسمي نفسه، فإن احترام الصحافي في تفاصيل العملية الصغيرة ليس ترفاً، بل جزء من هذه الثقة.

وأنا شخصياً، عندما وقفت اليوم في ذلك المكان، لم أتذكر فقط «عام البون».

تذكرت أيضاً شيئاً آخر:

كان أجدادنا يتزاحمون من أجل الخبز.

ونحن اليوم تزاحمنا من أجل الصوت.

لكن الفرق أن أجدادنا، كانوا يبحثون عن شيء يأكلونه…

ونحن كنا نبحث عن مكان، نستطيع فيه أن نتنفس!

يا لها من مفارقة مغربية كاملة الأوصاف!

وفي النهاية، أقولها بلا لف ولا دوران:

احترموا الصحافي قبل أن تطلبوا منه أن يدافع عن احترام الصحافة.

وفّروا له شروطاً تليق بمهنته.

لا نريد امتيازات.

لا نريد بروتوكولاً.

لا نريد سجادة حمراء.

نريد فقط أن لا تتحول ممارسة حقنا في التصويت، إلى نسخة مهينة من «عام البون».

أما بالنسبة إلى المجلس الوطني للصحافة، فنتمنى أن يصل إليه سبعة صحافيين مهنيين فعلاً، لا سبعة باحثين عن الكراسي.

سبعة يعرفون معنى القلم.

سبعة يعرفون معنى المهنة.

سبعة يستطيعون أن يقولوا «لا» عندما يكون قول «لا» واجباً.

سبعة لا يخلطون بين الصحافة والصفقات، وبين المهنة والمصلحة، وبين التمثيلية والامتياز.

لأن الصحافة التي لا تستطيع الدفاع عن كرامة صحافي واحد، وهو واقف يتصبب عرقاً أمام مكتب التصويت…

كيف ستدافع غداً عن كرامة المواطن؟

وهنا نختم بسؤال ربما يكون أكثر سخونة من المكان نفسه:

إذا كان هذا هو حال الصحافي يوم جاء لانتخاب ممثليه… فكيف نريد منه أن يصدق أن كرامة المهنة أصبحت فعلاً في أيدٍ أمينة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.