الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

من “عدو المغرب” إلى “أخونا وصديقنا”: كيف يُغسَل أعداء الأمس على الهواء مباشرة؟

ضربة قلم

لأن التاريخ لا يُصاب بالزهايمر، ولأن الذاكرة الجماعية لا تنام وإن حاولوا تخديرها، فإن مشهد النهاية الدموية لمعمر القذافي، لا يمكن عزله عن مسار طويل من التناقضات، ولا عن شبكة معقدة من الخيانات، والصفقات، والانقلابات في المواقف، التي تُشبه في جوهرها لعبة قمار سياسي خاسرة، يدخلها اللاعب وهو يظن نفسه، أذكى من الجميع… فيخرج منها جثة تُسحب في الأزقة.

القذافي، الذي صُوِّر لعقود على أنه “قائد أممي” و”ثوري لا يشبه الرؤساء”، انتهى نهاية لا تشبه حتى أعداءه. لا محكمة، لا منفى، لا تقاعد سياسي. رصاص، فوضى، وكاميرات هواتف، توثّق السقوط، بدل أن تكتب التاريخ. والمفارقة المؤلمة، أن الرجل الذي فتح خزائن ليبيا يوماً، لدعم هذا وذاك، وجد نفسه عارياً من أي دعم، حين حانت ساعة الحساب.

والتاريخ، وهو يسجل، لا ينسى تلك الصفحة السوداء التي ربطت القذافي بنيكولا ساركوزي. رئيس فرنسي صعد إلى قصر الإليزيه محمولاً – بحسب ملفات وتحقيقات لا تزال مفتوحة – على أموال ليبية، ثم عاد بعد سنوات، ليكون أحد مهندسي الضربة التي مهّدت لسقوط “المموّل” نفسه. هكذا تُكافَأ الصداقات في السياسة: رصاصة مقابل شيك، وقصف مقابل حقيبة أموال.

لكن القذافي لم يكن عدواً للمغرب من باب العقيدة أو الجغرافيا، بل من باب العقد النفسية القديمة. المغرب كان دائماً خارج حساباته، عصياً على الابتزاز، عصيّاً على التدجين، وهو ما جعله في خانة “الخصوم”، لا لشيء سوى لأنه رفض الاصطفاف في مسرحية الزعيم الأوحد. لذلك، لم يكن دعم القذافي لمرتزقة البوليساريو نابعاً من حب فيهم، بل كرهاً في المغرب. كراهية صريحة، فجة، ومكلفة لليبيا نفسها، قبل غيرها.

وفي عزّ القطيعة المغربية-الليبية، ظهرت واحدة من أغرب وأجرأ التجارب الإعلامية في تاريخ التلفزيون المغربي: برنامج مصطفى العلوي. برنامج لا يحتاج إلى لغة خشب، ولا إلى بيانات رسمية، ولا إلى مصطلحات دبلوماسية. كان يُقال فيه الكلام “بالدارجة”، كي يفهمه الجميع، وكي تصل الرسالة دون ترجمة. كان بمثابة محضر اتهام أسبوعي، يُعدّد “الزلات الليبية” واحدة واحدة، بلا مواربة، وبنبرة لم تكن لتُبقي القذافي مرتاحاً وهو يتابع من طرابلس.

ذلك البرنامج، لم يكن مجرد مادة إعلامية، بل كان سلاحاً معنوياً. وكان القذافي – رغم كل ادعاءاته الثورية- شديد الحساسية تجاه صورته. يكره السخرية، ويخاف من التعرية الإعلامية، أكثر من خوفه من الدبابات. لذلك، لم يكن غريباً أن يحاول لاحقاً “تطويق الخطر” بطريقة يعرفها جيداً: الاحتواء. فُتحت القنوات الليبية، وشُغّلت أسماء صحفية مغربية، في محاولة لامتصاص الغضب، وتليين الخطاب، وربما شراء الصمت.

إلى هنا، يمكن فهم المشهد. السياسة مصالح، والإعلام – شئنا أم أبينا – جزء من لعبة أكبر. لكن الصدمة الحقيقية، لم تكن هنا.

الصدمة كانت يوم استُؤنفت العلاقات، ويوم حلّ القذافي ضيفاً على المغرب، مستقبَلاً من طرف جلالة الملك الحسن الثاني. التلفزة تنقل الحدث مباشرة، صورة وصوت، والشاشة لا تعرف التورية. المعلّق؟ نفس مصطفى العلوي. الرجل نفسه الذي “غسل” ليبيا وقدافيها على رؤوس الأشهاد لسنوات.

والجملة؟ جملة واحدة، لكنها أثقل من أرشيف كامل:
“أخونا وصديقنا معمر القذافي”.

هنا، لا نتحدث عن زلة لسان، ولا عن مجاملة عابرة. نحن أمام انعطاف لغوي-سياسي فجّ، يكشف كيف يمكن للكلمات أن تُغسل كما تُغسل المواقف. بالأمس القذافي خصم، متهور، ومصدر كل الشرور. اليوم، وبمجرد أن تغيّر العنوان الدبلوماسي، صار “أخاً وصديقاً”.

والسؤال ليس: لماذا قال العلوي ذلك؟
السؤال الأعمق: كيف يُطلب من الذاكرة الجماعية، أن تمسح كل شيء بضغطة زر؟

هذه الحكاية، في جوهرها، ليست عن القذافي فقط. هي عن السياسة حين تُدار بلا أخلاق، وعن الإعلام حين يتحول من شاهد إلى متفرج، أو من ناقد إلى مُصفّق حسب اتجاه الريح. هي عن أن بعض الأنظمة لا تموت برصاص أعدائها، بل بفراغ القيم من حولها.

القذافي سقط لأنه ظن أن المال يشتري كل شيء: الزعماء، الثوار، وحتى التاريخ. لكنه نسي أن التاريخ لا يقبل الرشوة. وأن الشعوب – مهما طال صبرها – لا تنسى الإذلال. وأن من يعادي المغرب بدافع الحقد، لا بد أن يدفع الثمن، آجلاً أو عاجلاً.

التعليق الأخير؟
التاريخ لا يحاكم بالنوايا، بل بالنتائج. ومعمر القذافي، بكل تناقضاته، علّمنا درساً قاسياً: من يبدّل أعداءه، كما يبدّل خطاباته، ومن يشتري الولاءات بدل أن يبني الاحترام، ينتهي وحيداً… حتى ولو كان يملك نفطاً، وجيشاً، ومنابر إعلامية.

أما “أخونا وصديقنا”، فتلك عبارة لا تعيش طويلاً. تموت عادة عند أول اختبار حقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.