من غرائب الإحصاء: حين يصبح الزواج في المغرب معركة “عدد” قبل أن يكون مسألة “ودّ”

ضربة قلم
من أغرب المفارقات التي يصعب على العقل أن يتجاهلها ونحن نتأمل أرقام المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، تلك المتعلقة بتوزيع السكان بين الذكور والإناث. ورغم ما يُنشر في التقارير الرسمية من نسب مئوية دقيقة، إلا أن المتتبع العادي -وهو يتأمل الواقع بعينه – قد يصاب بالحيرة والارتباك: أين ذهب الرجال؟ ولماذا تبدو النساء أكثر عدداً وحضوراً في تفاصيل المجتمع؟
الإحصاء على الورق… والحقيقة في الشارع
على الورق، تُعطى أرقام متوازنة نسبياً بين الجنسين، وكأن الطبيعة البشرية في المغرب تسير وفق منطق “التكافؤ الديمغرافي”. غير أن الواقع الملموس، في الجامعات، وفي الإدارات، وحتى في حفلات الأعراس، يحكي رواية مختلفة تماماً: النساء يملأن القاعات والصفوف والفضاءات العامة، بينما حضور الرجال يبدو أقل بكثير.
زواج “بالقرعة”؟
من يتجول في بعض أركان الحياة الاجتماعية، وخاصة في عالم الزواج، سرعان ما يتفاجأ بالمعطيات الميدانية: الغالبية الساحقة من الراغبين في الزواج هنّ نساء، ينتظرن النصيب أو الشريك الموعود. أما الرجال، فهم أقلية تبحث عن شروط مثالية أو هاربة من المسؤولية أصلاً، بحجة “الوضع الاقتصادي” أو “غلاء المعيشة”. وهكذا يتحول الزواج من مؤسسة اجتماعية قائمة على التكامل، إلى “معركة أرقام” حيث الكثرة للنساء والندرة للرجال.
أسباب وراء الاختلال
السؤال البديهي: لماذا هذا التفاوت في الحضور بين الجنسين؟
-
الهجرة الخارجية: نسبة كبيرة من الشباب الذكور تهاجر نحو أوروبا والخليج بحثاً عن فرص أفضل، تاركين فراغاً ملحوظاً في الداخل.
-
العزوف عن الزواج: جزء من الشباب يتبنى نمط حياة مختلف، حيث يفضّل التأجيل أو حتى الرفض القاطع لمؤسسة الزواج التقليدية.
-
الوضع الاقتصادي: غلاء السكن، مصاريف العرس، ومتطلبات الأسرة، كلها عوامل تدفع الذكور إلى التراجع خطوة إلى الوراء.
-
حضور نسائي متنامٍ: المرأة المغربية اليوم فرضت وجودها في التعليم والعمل والسياسة، ما جعلها أكثر حضوراً في الفضاء العام، وبالتالي أكثر وضوحاً في “المشهد العددي”.
المفارقة الساخرة
المفارقة أن المجتمع المغربي ظل، لعقود طويلة، يُتهم بأنه “مجتمع ذكوري”، حيث الرجل هو المتحكم في القرار والسلطة. لكن الواقع الجديد يكشف أن النساء، عددياً وحضورياً، قد أصبحن أكثر من الرجال. أي أننا أمام “مجتمع أنثوي في العدد، ذكوري في العقلية”، وهو خلل مزدوج لا يمكن أن يُبشّر بانسجام اجتماعي سليم.
تداعيات اجتماعية
هذا الاختلال العددي له تبعات خطيرة:
-
تأخر سن الزواج بالنسبة للنساء، خصوصاً مع وفرة العرض وقلّة الطلب.
-
ظاهرة العنوسة التي تتسع بشكل مقلق، حيث تتكدس طوابير من الفتيات في انتظار “العريس الموعود”.
-
تحولات نفسية، حيث تبدأ بعض النساء في البحث عن بدائل أخرى للعيش خارج منظومة الزواج التقليدي، مثل الاستقلال الذاتي أو التركيز على العمل.
-
خلل ديمغرافي محتمل على المدى الطويل، إذا استمرت الهجرة الذكورية وتنامى الحضور النسوي.
الخلاصة
الإحصاء ليس مجرد أرقام جامدة، بل هو مرآة تعكس واقعاً قد يختلف كثيراً عما يراد لنا أن نصدّقه. وبينما تقول تقارير المندوبية أن المغرب يعيش “توازناً سكانياً” بين الذكور والإناث، فإن ما نعيشه على الأرض يشي بحقيقة أخرى: النساء أكثر عدداً، وأكثر حضوراً، وأكثر انتظاراً لفرصة حياة كاملة لم تتحقق بعد.
ولعل الطامة الكبرى أن الرجل المغربي، في زمن “ندرة الذكور”، ما زال يتعامل مع الزواج وكأنه “جميل منه” أو “منة على المرأة”، بينما الحقيقة أن العنصر النسوي هو من يحمل عبء الانتظار والتأجيل والخيبات. وهنا يصبح السؤال ساخراً ومريراً في آن واحد:
هل سيأتي يوم يصبح فيه الزواج في المغرب بالقرعة، نظراً لاختلال العدد بين الجنسين؟




