الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

من فضالة إلى المحمدية… حين كان الناس يعرفون بعضهم بالقلوب قبل الأسماء

ضربة قلم

كانت تُسمّى “فضالة”…
مدينة صغيرة تتنفس على مهل، لا أحد فيها كان يحتاج إلى تطبيقات لتحديد المواقع، لأن القلوب كانت تعرف الطريق وحدها.
الناس كانوا يعرفون بعضهم البعض بالاسم، وباسم الأب، وبالملامح، وحتى بطريقة السلام. إذا مرض أحدهم، وصل الخبر إلى آخر الزقاق قبل أن يصل إلى الطبيب. وإذا تزوج شاب، شعرت الحومة كلها، أنها دخلت عرسًا جماعيًا، لا مناسبة عائلية ضيقة كما يحدث اليوم في زمن “الكوفي شوب” و”الستوري”.

فضالة لم تكن مجرد اسمٍ عابر فوق خرائط الاستعمار، بل كانت مكانًا دافئًا يشبه العائلة الكبيرة.
صحيح أن المعمر حلّ بها كما حلّ في مدن ودول إفريقية كثيرة، يبحث عن الأرض الخصبة، والبحر، والثروات، وعن كل شيء كانت أوروبا الصناعية، تفتقده وهي تبني مجدها على ظهر المستعمرات.
كان يأتي محمّلاً بمشاريعه ومصالحه وأحلامه الإمبراطورية، لكن رغم قسوة المرحلة، ظلت المدينة تحتفظ بروحها المحلية الخاصة، تلك الروح التي لا تُشترى ولا تُستورد عبر البواخر.

في تلك السنوات، كان البحر أزرق بطريقة مختلفة، ليس لأنه تغيّر فعليًا، بل لأن الناس كانوا ينظرون إليه بقلوب أخف.
الأطفال يركضون حفاة فوق الرمل، دون خوف من زجاج مكسور أو من “مول الطروطينيت” الذي يدهسك وأنت تتمشى.
والجيران كانوا يدخلون البيوت، دون موعد مسبق، لا أحد يحتاج أن يرسل رسالة:
“خويا راك فالدار؟”
الباب نصف مفتوح دائمًا، والشاي حاضر دائمًا، والنية أوسع من البيوت نفسها.

من فضالة إلى المحمدية… حين كان الناس يعرفون بعضهم بالقلوب قبل الأسماء

أيام كان “الحرث بالنية”…
تعبير بسيط لكنه يحمل فلسفة جيل كامل.
الناس كانوا يزرعون وهم مؤمنون أن الأرض لا تخون من يحبها.
الفلاح لم يكن يحتاج إلى عشرات الوثائق والدعم والوساطة و”المعرفة” حتى يحصل على حقه.
كان المطر حين ينزل، ينزل على الجميع، وليس فقط على أصحاب الضيعات الكبرى، الذين يعرفون كيف يفاوضون السحب نفسها.

حتى الزواج كان “بالنية”.
شاب بسيط، ربما يملك غرفة وسطحًا وحلمًا صغيرًا، يتزوج فتاة تربّت على القناعة، فيبنيان حياة كاملة من لا شيء تقريبًا.
لم تكن البداية تحتاج إلى قرض استهلاكي، ولا إلى صالة أفراح تبتلع ميزانية سنة كاملة، ولا إلى مصور يطلب من العريس أن يعيد الضحكة ثلاث مرات “باش تجي طبيعية”.
كانت الضحكة أصلًا طبيعية.

الأم كانت تضع البركة في الطعام، لا “المؤثرات الغذائية”.
والأب كان يعود متعبًا، لكنه مطمئن، لأنه يعرف أن أبناءه ما زالوا يلعبون في الحي، لا داخل عوالم رقمية، يربّيهم فيها غرباء خلف الشاشات.

ثم تغيّرت الأشياء…
تغيّر الاسم من فضالة إلى المحمدية، وكبرت المدينة بسرعة، ربما أسرع مما ينبغي.
دخل الإسمنت من كل الجهات، واختفت أجزاء من الذاكرة تحت العمارات والمشاريع والضجيج.
صار الجار لا يعرف اسم جاره، لكن يعرف جيدًا ثمن البنزين، لأن هناك دائمًا من يشرح لنا أن الأسعار “مرتبطة بالسوق الدولية”، وكأن جيب المواطن المغربي عضو رسمي في بورصة نيويورك.

ظهرت أسماء جديدة تتحكم في كل شيء:
المحروقات، الصناديق، الأسواق، وحتى في أعصاب الناس.
أصبح المواطن يسمع كلمات من قبيل:
“تحرير الأسعار”،
“إصلاح المقاصة”،
“إعادة الهيكلة”،
بينما الشيء الوحيد الذي يُعاد هيكلته فعلًا هو القدرة الشرائية للمواطن المسكين.

في فضالة القديمة، لم يكن الناس أغنياء، لكنهم لم يكونوا يشعرون بهذا الفقر الروحي، الذي يملأ المدن الحديثة.
كانت “البركة” تقوم بدور الاقتصاد، وكانت “النية” تقوم بدور القوانين المعقدة.
أما اليوم، فقد أصبح الإنسان يحتاج إلى كلمة سر حتى يثق في أخيه.

من فضالة إلى المحمدية… حين كان الناس يعرفون بعضهم بالقلوب قبل الأسماء

ومع ذلك…
تبقى المحمدية مدينة لا تموت بسهولة.
كل زاوية فيها تخبئ حكاية، وكل صورة قديمة تشبه رسالة، وصلت متأخرة من زمن أكثر دفئًا.
زمن لم يكن مثاليًا بالكامل، نعم، لكنه كان إنسانيًا أكثر.
زمن كان فيه الناس يختلفون، لكنهم لا يتحولون إلى غرباء.
وكانت المدينة، رغم بساطتها، تملك روحًا لا تستطيع أكبر المشاريع العقارية أن تبني مثلها.

لهذا حين يرى أبناء المحمدية هذه الصور القديمة، لا يشاهدون مجرد أرشيف أبيض وأسود…
بل يرون أنفسهم وهم يضيعون شيئًا فشيئًا، وسط مدينة تركض بسرعة، بينما الحنين وحده ما زال يمشي على مهل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.