من قاعة الانتظار إلى قاعة العمالة: الصوحافي دائماً حاضر

ضربة قلم
في هذا الزمن الجميل، لم نعد بحاجة إلى معاهد الصحافة، ولا إلى نظريات الاتصال، ولا حتى إلى اللغة العربية نفسها، فـ”الصوحافيين” (نعم، بالصاد والواو، كما تليق بـ”الجلالة” الإعلامية الجديدة)، أصبحوا يملؤون المشهد مثل نباتات برّية تنبت في كل زاوية، مدججين بهواتف ذكية أذكى منهم وبريئة من جهلهم، وعدسات كاميرات لا تعرف معنى الزاوية ولا الإضاءة ولا حتى الحياء.
هؤلاء ليسوا صحافيين، بل مخلوقات هجينة، تم تهجينها في مختبرات الفوضى الرقمية. تجدهم في كل مناسبة رسمية، قبل أن يصل القائد أو العامل أو حتى الكرسي الذي سيجلس عليه، يتدافعون، يتزاحمون، وكل واحد يصرخ “غطي! صور! هزّ الكاميرا!” كأنهم في معركة وليسوا في تغطية. لا أحد منهم يسأل سؤالًا، ولا أحد منهم يفهم ما يقال، المهم أن يخرج “الفيديو” ويُرفق بعنوان على شكل: “شاهد ماذا قال القائد قبل أن يربت على كتف هذا الرجل!!”، وكأننا أمام مشهد درامي من إنتاج منصة مشبوهة في خيالها ومضروبة في محتواها..
أما العمالات، فقد تحوّلت إلى ما يشبه البلاط الملكي لهؤلاء “الملحقين الإعلاميين”، الذين لا تربطهم بالإعلام سوى ربطات العنق الرخيصة، فوق قمصان مهترئة. العامل لا يتحرك دون أن ترافقه “القشلة” الإعلامية، تمامًا كما كان الملوك يتحركون برفقة الحاشية. كل خطوة له موثقة، كل التفاتة، كل سعال، كل شهيق وزفير. يرافقونه وهم يوزعون الابتسامات الاصطناعية، واللايكات المجانية، ولا يتوقفون عن رفع هواتفهم كأنهم يهددون بها السماء.
والمثير في الأمر أن هؤلاء لا يُنتجون شيئًا يُذكر، لا مقالًا يحترم القارئ، ولا تقريرًا يضيف معلومة، فقط فيديوهات مشوشة، وصوت غير واضح، وتعليق من نوع: “خدمة للمصلحة العامة، حضر النسؤول شخصيا لمعاينة الوضع، وها هو مع الساكنة.” أما الساكنة، فغالبيتها لا تعرف لماذا الرجل هناك، ولا لماذا الهاتف في وجهها، لكنها تبتسم… فقد أصبحت ممثلة عن نفسها بدون عقد.
والأنكى من هذا، أن بعض المسؤولين أصبحوا مدمنين على هذه الصحبة الغريبة، لا يشعرون بالاطمئنان إلا إذا تحلق حولهم خمسة “فيديوغرافيين” وسبعة هواة مونتاج، وعشرة من حاملي الميكروفونات البلاستيكية التي لا تنقل أي صوت… فقط ديكور. المسؤول يشعر حينها أن له “جمهور”، وأن ظهوره مصقول، وأنه بطل المرحلة. أما المواطن، فهو مجرد خلفية، كتلك التي تضعها أثناء مكالمات الفيديو.
ويا ليتهم وقفوا عند التوثيق. بل تجاوزوه إلى لعب دور الناطق الرسمي باسم العمالة، والدرع الإعلامي لها، و”المحلل السياسي” المتخصص في قرارات الجماعة. كلهم أصبحوا “الصفحة الرسمية”، و”القناة البديلة”، و”الصوت الحرّ”، مع أن حريتهم الوحيدة تكمن في تصويرك من دون إذن، ونشرك وأنت تأكل سندويتشاً في الشارع بعنوان: “بالصورة: أحد المواطنين في انتظار المسؤول.. ومفاجأة في يده!!”
هكذا تحولت الصحافة المحلية إلى سيرك متجوّل، لا ينقصه سوى مهرج محترف وراقصة تعبيرية. أما الكلمة، فقد أصبحت مجرد صدى لما يقوله المسؤول، بل قل مرآة غبشاء لما يمر به “الحدث” من فلاتر ومؤثرات صوتية مجانية.
في هذا الزمن، حين تشتكي من الفساد أو التهميش أو ضياع الحقوق، لا تبحث عن الصحافي… بل ابحث عن “الصُّوحافي” في زاويةٍ ما، يعكف على تحرير منشورٍ من 17 كلمة، فيه خطآن إملائيّان، وثلاثة أخطاءٍ في التنسيق، لكنه موقّع: “الإعلامي، والناشط، والفاعل الحقوقي، الأستاذ الدولي”… وبجانبه رقم واتساب للحجز والتغطية.
ترى، هل سيتقاعد المسؤول قبل أن يتقاعد هذا العبث؟ أم أن “الصوحافة” ستظل تلاحقنا حتى في أحلامنا؟




