الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

من قتل الشاب بسيدي بوعثمان؟ الحجر مجرد أداة.. أما القاتل الحقيقي فهو الإهمال!

ضربة قلم

مرة أخرى، لا يستيقظ المغاربة على خبر اكتشاف علمي، ولا على افتتاح مستشفى للأمراض النفسية، ولا على برنامج وطني يحمي المرضى ويحمي المجتمع معهم.

بل يستيقظون على خبر وفاة شاب، بعدما أصابه حجر ألقاه شخص يعاني اضطرابات عقلية، حسب المعطيات الأولية المتداولة. والنتيجة معروفة: أسرة مفجوعة، مدينة مصدومة، وتحقيق قضائي، سيبحث في تفاصيل الحادث. أما السؤال الذي سيظل يطارد الجميع فهو: كيف وصلنا أصلًا إلى هذه المرحلة؟

ليست هذه أول مرة، وربما لن تكون الأخيرة، إذا بقي التعامل مع الظاهرة على حاله.

في مدن المغرب وقراه، أصبح مشهد أشخاص يعانون اضطرابات عقلية، ويتجولون في الشوارع مألوفًا. ينام بعضهم في الحدائق، وآخرون قرب الأسواق، وآخرون بمحطات النقل أو أمام المدارس والمساجد. كثير منهم مسالمون، ولا يشكلون أي خطر، لكن بعض الحالات، قد تمر بأزمات سلوكية حادة، تستدعي تدخلًا صحيًا واجتماعيًا مبكرًا.

وهنا يبرز السؤال المؤلم:

هل يكفي أن ننتظر وقوع الضحية التالية حتى نتحرك؟

كلما وقعت مأساة، نسمع العبارات نفسها:
“كان معروفًا في المنطقة…”
“كان يتجول منذ مدة…”
“سبق أن أقلق السكان…”

ثم تنتهي القصة عند محاضر الشرطة، بينما يبدأ العد التنازلي، لمأساة جديدة في مدينة أخرى.

إن الصحة النفسية، ليست شأنًا فرديًا فقط، بل هي جزء من مسؤولية السياسات العمومية. فعندما لا تكون خدمات العلاج والمتابعة والإيواء والتدخل متاحة بما يكفي، يبقى المريض دون رعاية، ويظل المجتمع دون حماية كافية.

الغريب أننا نستثمر في الإسمنت، أكثر مما نستثمر في الإنسان.

تُبنى الطرق والجسور، وهذا أمر مهم، لكن ماذا عن بناء منظومة حقيقية، للصحة النفسية؟

كم من مستشفى متخصص افتُتح؟

كم من أسرة استقبلت قريبًا لها، وهي تجد أمامها العلاج بدل الانتظار؟

كم من فريق للتدخل الاجتماعي والنفسي، يخرج إلى الشارع، قبل أن تتحول الأزمة إلى مأساة؟

إن المجتمع لا يحتاج فقط، إلى دوريات أمنية بعد وقوع الجريمة، بل يحتاج قبل ذلك إلى منظومة صحية واجتماعية، قادرة على التدخل المبكر.

والمفارقة المؤلمة أن المواطن، أصبح يشعر بالخوف في أماكن كان يفترض أن تكون الأكثر أمانًا: أمام منزله، في السوق، في الشارع، أو وهو يمارس حياته اليومية.

الضحايا لا يعرفون الجاني، والجاني في كثير من الأحيان، لا يدرك حتى خطورة ما يفعل، لأن المرض عندما يُترك دون علاج، قد يتحول إلى مأساة للجميع.

لهذا، فإن الحل لا يكون بالتحريض ضد المرضى النفسيين أو وصمهم، فهم في المقام الأول أشخاصـ يحتاجون إلى العلاج والرعاية، وإنما يكون ببناء سياسة عمومية، تجعل التدخل سابقًا على الكارثة، لا لاحقًا لها.

اليوم نبكي على شاب فقد حياته.

وغدًا قد تبكي مدينة أخرى ضحية جديدة، إذا ظل الملف، يُؤجل من حادث إلى حادث.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مغربي، ليس فقط: من رمى الحجر؟

بل أيضًا:

لماذا تُركت أوضاع تحتاج إلى علاج ومتابعة ورعاية لتتفاقم إلى أن تتحول إلى مأساة؟

فالعدالة، ستبحث في المسؤولية الجنائية عن الفعل، أما النقاش العمومي، فيجب أن يبحث في مسؤولية السياسات والبرامج والموارد، لأن حماية المجتمع، لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل تبدأ قبلها بسنوات، عندما تكون الوقاية والرعاية النفسية أولوية حقيقية، لا ملفًا يُفتح فقط ،كلما سقط ضحية جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.