الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

من قناع اليسار إلى ساحة “هزّ البطن”… تحولات الانتهازية من التخفي إلى الجرأة المكشوفة

ضربة قلم

لم تكن الانتهازية السياسية داخل بعض الأحزاب ذات المرجعية اليسارية في الماضي مجرد سلوك عابر، بل كانت تُمارس داخل فضاء شديد الحساسية تجاه الرموز والمواقف. كان الانتماء الفكري، يُعامل كالتزام أخلاقي، قبل أن يكون مجرد اختيار تنظيمي، ولذلك كان كل من يحاول الاستفادة من هذا الانتماء، يجد نفسه مضطرًا إلى التوازن بين صورتين: صورة معلنة تُقدَّم للجمهور، وأخرى خفية تُدار في الكواليس.

في تلك المرحلة، كان الانتهازي يتحرك بحذر شديد. في العلن، خطاب منضبط، شعارات كبيرة عن العدالة الاجتماعية، الدفاع عن الفئات الشعبية، والالتزام بقيم اليسار. أما في الخفاء، فكانت الحسابات مختلفة تمامًا: مواقع داخل التنظيم، علاقات تُبنى بهدوء، وفرص تُقتنص بعيدًا عن الأضواء. لم يكن التناقض يُمارس بوقاحة، بل كان يُدار بنوع من “الخجل السياسي”، كأن هناك اتفاقًا غير مكتوب على ضرورة إخفاء الفجوة بين القول والفعل.

لكن مع مرور الزمن، بدأ هذا النموذج يتغير تدريجيًا. لم يعد الفضاء الحزبي، يحتفظ بنفس الصرامة الإيديولوجية، ولم تعد الشعارات تملك نفس القوة الضابطة للسلوك. ومع تراجع هذا الإطار، توسعت مساحة الحركة الفردية، وبدأت الانتهازية تأخذ أشكالًا أكثر سرعة وجرأة، وأقل حاجة إلى التبرير أو التمويه.

اليوم، لم يعد الانتقال بين المواقع السياسية أو الرمزية، يتم بنفس البطء والتدرج. بل أحيانًا يتم دفعة واحدة، وبقفزات حادة بين ضفاف متناقضة، دون المرور بمحطات مراجعة فكرية أو تراكم قناعات. أصبح “التنقل” في حد ذاته جزءًا من منطق سياسي جديد، أكثر مرونة، وأقل ارتباطًا بالثبات الإيديولوجي.

وفي هذا السياق، يمكن فهم بعض التحولات كأنها انتقال من فضاء، كان يُفرض فيه حد أدنى من الانسجام الظاهري، إلى فضاء أصبح فيه التناقض نفسه مقبولًا، بل ومُدارًا أحيانًا باعتباره مهارة في التكيف.

ولعل الصورة الرمزية التي تلخص هذا التحول هي الانتقال من الانضباط الثقيل إلى نوع من الحضور العلني الذي لا يخفي التبدل السريع في المواقع. فهناك من كان بالأمس يرفع خطابًا صارمًا حول القيم والمبادئ، ليجد نفسه اليوم في فضاء مختلف تمامًا، حيث الإيقاع أسرع، والرموز أخف، والمشهد أقرب إلى عروض الاستعراض الجماهيري التي تقوم على الحركة والظهور أكثر مما تقوم على الفكرة.

ومن باب التمثيل الرمزي، يمكن استحضار مفارقة لافتة: شخصيات كانت تتحرك سابقًا داخل دوائر فكرية مغلقة، لتجد نفسها لاحقًا في فضاءات مفتوحة، لا تحكمها نفس الضوابط القديمة، بل منطق العرض والطلب الرمزي، حيث يصبح الحضور في “ساحة الفرجة” أكثر أهمية من ثقل الخطاب. وفي هذا السياق، تتحول بعض الأدوار من التموقع الفكري إلى التموقع الاستعراضي، حيث الإيقاع السريع، والحركة الجاذبة، والبحث عن التأثير اللحظي، بدل بناء موقف طويل النفس.

لكن الخلاصة الأعمق لا تتعلق بالسخرية من التحولات، بقدر ما تتعلق بفهم ما حدث للسياسة نفسها. فالمشكل ليس في الأشخاص فقط، بل في البيئة التي جعلت الانتقال السريع ممكنًا، والحدود بين المواقف قابلة للاختراق، والهوية السياسية أقل صلابة مما كانت عليه في السابق.

وهكذا، بين زمن كانت فيه الانتهازية تُدار خلف أقنعة ثقيلة، وزمن أصبحت فيه أكثر انكشافًا وسرعة وجرأة، تتضح ملامح تحول أكبر: تحول السياسة من فضاء تُصاغ فيه القناعات، إلى فضاء تُدار فيه التحولات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.