
م-ص
قبل أسابيع فقط، لم يكن في المقاهي المغربية، حديث يعلو على كرة القدم. الجميع كان محللاً، والجميع كان مدرباً، والجميع يعرف لماذا انتصر هذا المنتخب ولماذا انهزم ذاك. كانت الشوارع تتنفس كرة، والمقاهي لا تعرف سوى التكتيك والخطط والتحكيم وكأس العالم.
لكن ما إن أسدل الستار على البطولة، حتى عاد المغاربة إلى بطولتهم اليومية… بطولة البحث عن الأمل.
فجأة، تغيرت المواضيع. لم يعد السؤال: “من سيفوز بالكأس؟”، بل أصبح: “إلى أين يتجه هذا البلد؟”. لم يعد النقاش حول خطة 4-3-3، بل حول كيف أصبح مئات الشباب، يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة، وكأن البحر، صار عندهم أقل رعباً من اليابسة.
ثم جاءت الأخبار الدولية، لتزاحم الهموم المحلية. علاقة متوترة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإسبانيا، وتحولات سياسية واقتصادية تتابعها الصحافة العالمية. لكن المواطن المغربي، رغم اهتمامه بما يجري خارج الحدود، سرعان ما يعود إلى السؤال الذي يؤرقه: ماذا عن الداخل؟ ماذا عن مستقبلي ومستقبل أبنائي؟
وفي المقاهي والأسواق ووسائل التواصل، يتكرر الكلام عن الفقر، وعن اتساع الفجوة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون سوى الانتظار. ويتحدث الناس أيضاً عن الأموال، التي يقال إنها تغادر البلاد نحو الخارج، بينما يشعر كثيرون بأن الاستثمار في الإنسان، لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به المشاريع والأرقام.
والأشد إيلاماً أن مظاهر اجتماعية مقلقة، أصبحت تتردد على الألسن أكثر من أي وقت مضى: انتشار المخدرات، وتنامي بعض أشكال الاستغلال والبغاء، وإحساس لدى فئات من المواطنين، بأن الأمن الاجتماعي لا يقل أهمية عن الأمن الجنائي. قد يختلف الناس في حجم هذه الظواهر وأسبابها، لكنهم يتفقون على أن تجاهلها لا يحلها.
والحديث لا يقف هنا. فهناك أيضاً قلق متزايد من المستقبل، ومن قدرة المؤسسات والأحزاب على استعادة ثقة المواطنين، التي تآكلت لدى شريحة واسعة من الرأي العام. فكلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية، عاد النقاش حول النخب والكفاءات، ومن يستحق فعلاً تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم. ويتساءل كثيرون: هل سنرى وجوهاً تمتلك الجرأة على الإنصات لمعاناة الناس وترجمة مطالبهم، إلى سياسات حقيقية، أم أننا سنبقى أمام مشهد سياسي مألوف، يعيد إنتاج نفسه بأسماء وشعارات جديدة، بينما يرى منتقدون أنه لا يخرج في النهاية عن دائرة النخب التقليدية، التي ظلت حاضرة في تدبير الشأن العام بأشكال مختلفة؟
المشكلة ليست في اختلاف الأيديولوجيات، فالديمقراطيات تقوم على الاختلاف. المشكلة تبدأ عندما يصبح المواطن، مقتنعاً بأن الخلافات السياسية، لم تعد تغير شيئاً في حياته اليومية، وأن الشعارات، مهما كانت براقة، لا تخفض الأسعار، ولا تخلق فرص الشغل، ولا تمنح الشباب سبباً للبقاء في وطنهم.
والأخطر من كل ذلك، أن يفقد الإنسان ثقته في أن صوته، أو جهده، أو تعبه، يمكن أن يصنع فرقاً. حينها لا تعود الأزمة أزمة اقتصاد فقط، ولا أزمة سياسة فقط، بل تصبح أزمة ثقة، وهي من أصعب الأزمات التي يمكن، أن تواجه أي مجتمع.
قد يختلف الناس في تشخيص الداء، وقد تختلف الأحزاب في وصف العلاج، لكن ما يجمع المغاربة اليوم، هو شعور متزايد بأن الإنسان، يجب أن يعود إلى قلب كل السياسات. فالوطن لا يقاس فقط بعدد الطرق والمشاريع والمنشآت، بل يقاس أيضاً بقدرته على أن يمنح أبناءه الكرامة، والأمل، والإحساس بأن المستقبل لا يزال ممكناً.
لأن الأوطان لا تضعف حين تواجه الصعوبات، وإنما تضعف، حين يشعر أبناؤها بأن أحلامهم، أصبحت تبحث عن عنوان خارج حدودها.
وفي النهاية، قد يختلف المغاربة في انتماءاتهم السياسية، وفي قراءتهم لما يجري، لكنهم يكادون يجمعون على أن كرامة الإنسان، يجب أن تبقى فوق كل اعتبار. فلا تنمية حقيقية، إذا شعر الشباب، بأن مستقبلهم يضيق، ولا استقرار دائم إذا اتسعت الهوة بين الخطاب والواقع، ولا ثقة تُبنى، إذا غاب الإنصات الصادق لمعاناة المواطنين. لذلك، فحذاري ثم حذاري من الاستهانة بصوت الشارع أو الاستخفاف، بما يعتمل في النفوس، لأن التاريخ يثبت أن تراكم الإحباطات لا يدوم إلى الأبد. فالضغط يولد الانفجار، وما كل مرة تسلم الجرة. وإن كان لا يزال هناك متسع لتصحيح المسار، فإن ذلك يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان المغربي، وجعل العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص أساس كل قرار، قبل أن يصبح ثمن التأخر أكبر بكثير من ثمن الإصلاح.




