من «كناش فارغ» إلى ملف عامر بالمحاضر.. 300 درهم تطيح بموظفة بجماعة تاونات!

ضربة قلم
لم تكن الموظفة، على الأرجح، تتوقع أن مبلغاً لا يتجاوز 300 درهم، يمكن أن يتحول في لحظات من أوراق نقدية صغيرة إلى قضية كبيرة، وأن «كناشاً فارغاً»، قد يصبح سبباً، في امتلاء ملف بالمحاضر والإجراءات القضائية.
فحسب المعطيات المتداولة حول القضية، وجد مواطن نفسه في حاجة إلى وثيقة أو كناش إداري، وهي من تلك الأمور التي يفترض أن يحصل عليها المواطن وفق المساطر المعمول بها، دون أن يشعر، بأنه دخل إلى سوق للمساومة أو إلى مكتب لبيع الخدمات العمومية بالتقسيط.
لكن الأمور، كما يُشتبه، لم تسر بهذا الشكل.
فبدل أن تنتهي الحكاية عند شباك إداري وورقة تُسلَّم لصاحبها، تحولت إلى مبلغ مالي، قيل إنه طُلب مقابل الخدمة، قبل أن يقرر المواطن، بدل إخراج النقود في صمت، أن يُخرج هاتفه ويتجه إلى الرقم الأخضر.
وهنا بدأت القصة، تأخذ منحى آخر.
الرقم الأخضر دخل على الخط
هناك من لا يزال يتعامل مع المواطن، وكأنه سيظل دائماً واقفاً أمام المكتب، يطلب ويتوسل وينتظر، ثم يدفع إن طُلب منه الدفع، ويغادر وهو يقنع نفسه، بأن «الأمور هكذا تسير».
لكن الزمن تغير.
اليوم، قد يكون بين الموظف والمواطن هاتف صغير، ومكالمة قصيرة، ورقم أخضر، لا يحتاج إلى كثير من الإجراءات المعقدة.
ثلاثمائة درهم، بحسب ما تم تداوله، كانت كافية، لأن تنتقل القضية من حديث جانبي إلى تبليغ رسمي، ومن مكتب إداري إلى بحث قضائي، ومن مبلغ بسيط في الظاهر إلى ملف، قد تكون تبعاته، أكبر بكثير من قيمة المبلغ نفسه.
والمفارقة أن بعض الناس، قد يخاطرون بمسار مهني كامل، من أجل مبلغ لا يكفي، في زمن الغلاء، حتى لتغطية مصاريف بسيطة لأسرة لأيام معدودة.
لكن المشكلة، ليست في قيمة المبلغ فقط، بل في المبدأ.
حين يصبح «المجاني» مكلفاً!
المواطن لا يطلب صدقة من أحد، عندما يلج إلى إدارة عمومية، ولا يدخلها، باعتباره زبوناً في محل تجاري، ينتظر تحديد السعر قبل الحصول على الخدمة.
إنه يتوجه إلى مرفق عمومي، يفترض أن يكون في خدمته، وأن يؤدي الموظفون فيه مهامهم مقابل الأجر، الذي يتقاضونه من المال العام.
ولهذا، فإن أخطر ما في مثل هذه القضايا ليس مبلغ 300 درهم في حد ذاته، وإنما ذلك الشعور الذي قد يتسلل إلى بعض المرافق، ومفاده أن كل توقيع له ثمن، وكل وثيقة تحتاج إلى «قهوة»، وكل إجراء، يمكن أن يتحول إلى فرصة لمد اليد.
والنتيجة؟
مواطن يخرج من الإدارة، وهو لا يعرف، هل أنهى إجراءً إدارياً، أم دخل في مفاوضات تجارية.
المواطن أيضاً تغير
الرسالة الأهم، التي تكشف عنها مثل هذه الوقائع، هي أن المواطن، لم يعد دائماً ذلك الشخص الذي يقبل بالأمر الواقع.
فقد يرفض الدفع.
وقد يوثق.
وقد يبلغ.
وقد يتحول مبلغ صغير، اعتقد صاحبه أنه سيمر في صمت، إلى بداية بحث وتحقيق وإجراءات، لا يعلم أحد أين ستنتهي.
وهنا تكمن قوة الرقم الأخضر، ليس باعتباره مجرد رقم هاتفي، بل باعتباره وسيلة، وضعت في يد المواطن، حتى لا يشعر بأن مواجهة الفساد الإداري مهمة مستحيلة.
ومع ذلك، تبقى المسؤولية مشتركة.
فمكافحة الرشوة، لا تعني فقط انتظار المواطن حتى يتصل، بل تعني أيضاً تقوية المراقبة داخل الإدارات، وتبسيط المساطر، ورقمنة الخدمات، وإغلاق النوافذ التي تسمح لبعض الأشخاص، بتحويل حاجات المواطنين إلى مصدر دخل إضافي.
300 درهم.. والمبلغ أكبر من الرقم
قد يبدو الرقم صغيراً للبعض.
ثلاثمائة درهم فقط!
لكن القضية تطرح سؤالاً أكبر بكثير: كم من مواطن يدفع مبالغ مشابهة، ثم يغادر صامتاً؟ وكم من شخص، يعتبر أن الأمر لا يستحق التبليغ، لأن المبلغ «ليس كبيراً»؟
وهنا بالضبط تكمن المشكلة.
فالفساد لا يصبح خطيراً فقط، عندما تكون الأرقام بالملايين، بل يبدأ أحياناً بورقة نقدية صغيرة، تمر من يد إلى أخرى، ثم تتحول مع التكرار والصمت إلى عادة.
لذلك، فإن قصة «الكناش الفارغ» تحمل مفارقة، لا تخلو من السخرية: فقد كان الكناش فارغاً، لكن الملف الذي نتج عن القضية، قد يصبح مليئاً بالمحاضر والإجراءات.
وبين الفراغ والامتلاء، ضاعت 300 درهم، من كونها مجرد مبلغ مالي، لتصبح عنواناً لقضية تذكر الجميع، بأن المواطن أصبح يملك اليوم وسيلة أخرى غير الصمت.
أما الدرس، فهو بسيط جداً:
ليس كل مبلغ صغير يستحق مخاطرة كبيرة… وليس كل مواطن سيغادر المكتب صامتاً.




