سياسة

من لندن إلى الرباط: حين ينتقل دعم الحكم الذاتي من الحذر إلى الحسم

بريطانيا تدعم الحكم الذاتي: الرباط تُعيد رسم خارطة الحلفاء

بقلم: محمد صابر

في 1 يونيو 2025، وضعت بريطانيا حدًا لحيادها التقليدي في قضية الصحراء المغربية، حين أعلن وزير خارجيتها ديفيد لامي، باسم حكومة حزب العمال العائد إلى السلطة، دعم لندن الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، واصفًا إياها بـ”الأساس الأكثر جدية ومصداقية” لحل النزاع. ورغم أن التصريح بدا للوهلة الأولى امتدادًا لمسار دعم دولي متزايد للمبادرة المغربية، إلا أن الموقف البريطاني حمل أبعادًا أعمق، تتجاوز التوصيف الدبلوماسي، وتُعبّر عن إعادة تشكيل حقيقية في توازنات القوة والرؤية السياسية بشمال إفريقيا.

من حياد براغماتي إلى اصطفاف محسوب

لعقود، التزمت لندن موقفًا براغماتيًا حذرًا من نزاع الصحراء، يراعي التوازنات داخل مجلس الأمن، وخصوصًا علاقتها التاريخية الحساسة مع كل من فرنسا وإسبانيا. بريطانيا لم تكن دولة استعمارية مباشرة في الصحراء، لكن مكانتها كعضو دائم في مجلس الأمن، وكشريك أمني واقتصادي في المنطقة، كان يضعها دومًا في موقع مراقب نافذ.

هذا الموقف تغير جذريًا في 2025، ليس فقط بسبب وضوح المقترح المغربي، بل لأن لندن باتت تعتبر أن “الحياد الفاتر” في قضايا السيادة لم يعد مجديًا في سياق عالمي متحوّل، تتسابق فيه القوى المتوسطة لإعادة موضعة نفوذها ما بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وتصاعد التنافس الغربي مع الصين.

مغزى التوقيت: ما بعد البريكست، ما بعد باريس

توقيت الموقف البريطاني ليس اعتباطيًا. يأتي بعد ما يقرب من عام على إعلان فرنسا، في يوليوز 2024، دعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي، وذلك بعد سنوات من الغموض وتوتر غير مسبوق مع الرباط. بينما كان يُنتظر من باريس أن تكون أول العواصم الأوروبية الكبرى التي تدعم المبادرة — بحكم العلاقة الخاصة تاريخيًا مع المغرب — جاءت متأخرة، ومترددة، ومن موقع دفاعي.

بريطانيا، في المقابل، استغلت الفراغ لتظهر بمظهر القوة “البراغماتية المتقدمة”، القادرة على اتخاذ مواقف واضحة في ملفات حساسة دون حسابات استعمارية ثقيلة. هذا التموقع الذكي أعاد رسم ملامح التنافس الأوروبي على المغرب: من شريك تقليدي لفرنسا إلى مركز جذب لقوى دولية تسعى لشراكات استراتيجية واقتصادية وأمنية عميقة.

لماذا الحكم الذاتي؟ ولماذا الآن؟

ليس صدفة أن معظم الدول الداعمة للمبادرة المغربية (الولايات المتحدة، إسبانيا، ألمانيا، فرنسا، الإمارات، والآن بريطانيا) تلتقي في كونها ديمقراطيات ليبرالية أو قوى مركزية تبحث عن حلول سياسية قائمة على “الحكم داخل السيادة”. المقترح المغربي يتماشى مع نماذج حديثة في إدارة النزاعات الداخلية: حكم ذاتي موسّع، دون المساس بوحدة التراب الوطني، ضمن إطار دستوري وقانوني واضح.

بالنسبة للندن، التي تدير ملفات حكم ذاتي معقّدة ومختلفة في أيرلندا الشمالية، اسكتلندا، وويلز، فإن هذا النموذج ليس غريبًا. بل يمثل من منظورها صيغة “ديمقراطية قابلة للتطبيق” تعترف بالخصوصيات الثقافية والجهوية دون الذهاب إلى الانفصال أو الانقسام.

ما الذي تغيّر في الرباط؟

التحول البريطاني لا يمكن عزله عن استراتيجية المغرب الخارجية في العقد الأخير. الرباط لم تعد تكتفي بتصدير ملف الصحراء كقضية عادلة، بل طوّرت رواية دبلوماسية قائمة على المشروعية القانونية، والفعالية الميدانية، والانخراط في منظومة الاستقرار الإقليمي. ذلك ما يظهر بوضوح من خلال:

  • سياسة “فتح القنصليات” في مدينتي العيون والداخلة (أكثر من 28 دولة حتى منتصف 2025).
  • حضور مشاريع كبرى في الأقاليم الجنوبية: موانئ، طاقات متجددة، واستثمارات استراتيجية.
  • ربط النزاع بالتهديدات الأمنية في الساحل والصحراء، والتعاون مع القوى الدولية في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.

هذا التحول من خطاب الضحية إلى خطاب الفاعل المنتج جعل من الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي رهانًا براغماتيًا مشروعًا، لا مجاملة دبلوماسية.

مشروعية جديدة… من خارج التاريخ الاستعماري

مفارقة بارزة في الموقف البريطاني أن الدولة التي لم تكن طرفًا في النزاع خلال الحقبة الاستعمارية باتت الآن في طليعة الداعمين للحل المغربي. هذا ما يمنح دعم لندن بعدًا “نظيفًا”، خاليًا من الرواسب الاستعمارية التي غالبًا ما تفسد مواقف بعض العواصم الأوروبية الأخرى، بحكم علاقاتها الملتبسة مع الجزائر أو حساسياتها تجاه شعوب المستعمرات السابقة.

في هذا السياق، يظهر أن الرباط تراهن ليس فقط على الموقف، بل على نوعيته: كل دعم يأتي من طرف بعيد عن الماضي الاستعماري، هو بمثابة ورقة قوة رمزية وسياسية في المعركة الدبلوماسية حول الشرعية.

خلاصة: منطق الربح التراكمي

في الظاهر، قد يبدو موقف بريطانيا مجرد خطوة إضافية في مسار الاعتراف الدولي بالحكم الذاتي. لكن في العمق، هو لحظة استراتيجية تُؤسس لجولة جديدة من إعادة التموقع الجيوسياسي في غرب المتوسط، حيث باتت الرباط تتحرك كلاعب ذكي بين محاور متناقضة.

من واشنطن إلى لندن، ومن برلين إلى الرياض، يترسخ انطباع جديد بأن المغرب لا يفاوض على سيادته، بل يعرض تسوية سياسية جادة ومنفتحة، تستحق أن تكون أرضية الحل النهائي. الدعم البريطاني لم يكن مجرد “بيان خارجي”، بل إعلان نية استراتيجي، يضيف إلى الرصيد المغربي في المحافل الدولية، ويؤكّد أن معركة الصحراء لم تعد معركة خرائط، بل معركة رؤى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.