من مارشي بنسليمان إلى محكمة فاس: قمار على ضوء مسروق وأحكام تصعق!

ضربة قلم
في بلاد حيث يمكنك أن تصبح وزيرًا عن طريق حادث لغوي، أو تفلت من العقاب لأنك “نسيت” أنك سطوت على ميزانية مؤسسة، جاء حكم محكمة الاستئناف بفاس ليعيد ترتيب المفاهيم: خمسة عشر عامًا من السجن النافذ، لا لتهريب أموال إلى بنما، ولا للمتاجرة في الكوكايين من نوع “فوق الممتاز”، بل لسرقة التيار الكهربائي! نعم، الكهرباء، تلك القوة العجيبة التي حولها هؤلاء الثلاثة من خدمة عمومية إلى مشروع استثماري غير مهيكل تحت عنوان “مارشي بنسليمان إنرجي”.
تخيل معي أن يتم ضخ التيار الكهربائي عبر مسارات سرية، ويُعاد توزيعه كما توزع “الفرّانة” الخبز الساخن، ليس بدافع النفع العام، بل في خدمة سوق غير منظم، يشبه في تركيبته سوق التوابل في رواية بوليسية، حيث كل شيء معروض للبيع: الضوء، الظلال، وحتى “التيك توك” في الظلمة. الثلاثي المرح لم يكتفوا بسرقة الكهرباء، لا، هذا سلوك صغار اللصوص. هؤلاء أداروا شبكة توزيع كاملة، ومحلًا لألعاب القمار، ومنصة اقتصادية موازية على الطريقة المغربية: لا تراخيص، لا ضرائب، لا محاسبة… فقط عيون مغمضة وأرباح تُعدّ بالأصابع ثم تُخبأ تحت البلاط.
المتهم الرئيسي، الذي نال خمسة أعوام من “العطلة الإجبارية”، كان بمثابة “إيلون ماسك” الفقراء، لكن دون صواريخ، فقط كابلات معلقة على الأعمدة، وعدادات كهربائية تشهد على مجده غير القانوني. وقد أُدين بعدة تهم يمكن أن تملأ حلقة كاملة من برنامج بوليسي: من سرقة الطاقة، إلى حيازة السلاح الأبيض في ظروف تهدد الأمن العام. تخيل أن يسرق الكهرباء، ويزورها، ويحاول النصب، ويفتح صالة قمار، ويبني بدون ترخيص، ثم يقول لك: “أنا غير باغي نخدم على راسي”. نعم، خدمة الرأس تستوجب أحيانًا فصل الرأس عن المنطق.
أما شريكاه، فكانا جديرين بجائزة “أفضل ممثلين ثانويين في فيلم جريمة كوميدية سوداء”، إذ تم الحكم عليهما بنفس المدة، بسبب جرائم مسائية أنجزت تحت أضواء مسروقة: سرقة موصوفة، تهديد، عنف، ألعاب حظ بلا حظ، وسكاكين يتجول بها الناس كما لو كانوا في مهرجان للطهي الشعبي.
طبعًا، لا يمكن أن تمر هذه الفضيحة دون أن نذكر تلك الصورة الغريبة التي رسمتها القضية: محل صغير للقمار يُضاء بأنوار مسروقة، يشحن أحلام صغار التجار، ويزوّد السوق بحياة ليلية كهربائية… وموازية. كل هذا، تحت أنوف السلطات التي ربما كانت تظن أن ضوء السوق يأتي من نجوم السماء أو من ابتسامة أحد المستشارين الجماعيين.
ولأن من سرقوا الكهرباء لم يسرقوها من جيب “الدار البيضاء ستارت آب”، بل من مؤسسة عمومية حقيقية، فقد حضرت “لاراديف” في المحكمة مثل من استيقظ فجأة ليجد عداد الضوء الخاص به في أيدي أناس غرباء، وطلبت تعويضًا بقيمة 200 ألف درهم. مبلغ يبدو بسيطًا مقابل ما ربحه المتهمون من اقتصاد الظلال، لكنه على الأقل رسالة من الدولة تقول فيها: “واخّا ساكتين، راه فايقين”.
وهكذا نُسدل الستار على مسرحية قصيرة لكنها مكثفة، حيث الكهرباء تتحول إلى سلعة في السوق السوداء، والمجرمون يرتدون قناع “المقاول الذاتي”، والسجن يصبح المكان الوحيد الذي لا يحتاج إلى “عداد ضوئي”، لأنهم سيقضون فيه سنواتهم القادمة على ضوء قانون لا يُغلق عينيه… أو على الأقل، هذا ما نرجوه.




